الأحد 17 نوفمبر 2019 الموافق 20 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

حسن راتب يكتب: عملية تطوير «الحسين»

الجمعة 08/نوفمبر/2019 - 06:29 م
جريدة الدستور
طباعة
- هناك توجيه مباشر من الرئيس بتطوير ساحة ومسجد الحسين والمنطقة المحيطة
- مسجد الحسين مبنى أثرى فريد شاهد على حقب مهمة من تاريخ مصر

ما إن شرعت فى الكتابة عن سيدنا الحسين حتى تبادرت إلى ذهنى قيمة ومعنى «الكلمة»، فحينما جاءه حاكم المدينة الوليد، وطلب منه أن يبايع يزيد بن معاوية، وقال له: «نحن لا نطلب إلا كلمة، فلتقل بايعت واذهب بسلام لجميع الفقراء، وانصرف يا ابن رسول الله»، كلمة فيها حقن للدماء- فيرد الإمام الحسين، رضى الله عنه، سيد شهداء أهل الجنة: «كبرت الكلمة»، وهل البيعة إلا «كلمة»؟.
ما دين المرء سوى كلمة، وما شرف المرء سوى كلمة؟، وما شرف الله سوى كلمة.. أتعرف ما معنى الكلمة؟.. مفتاح الجنة فى كلمة، ودخول النار فى كلمة، وقضاء الله هو الكلمة.. الكلمة نور وبعض الكلمات قبور.. بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشرى، الكلمة فرقان بين نبى وبغى.. الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة.. عيسى كلمة الله.. علمها للصادين البائسين فنشروا فى ربوع الأرض نورًا وسماحة وحبًا وسلام.. الكلمة زلزلة الظالم.. الكلمة حسن الحرية.. الكلمة مسئولية.


لا شك أن أى مُحبٍ لآل البيت الأطهار قد شعر بالغبطة بهذا المخطط الذى يهدف إلى تطوير مسجد وساحة الإمام الحسين والمنطقة المحيطة به، وهو المشروع الذى تم إسناد مهمة تنفيذه للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وفى تقديرى فإن الأمر الأهم والذى يبعث فى النفس الشعور بالسعادة وراحة البال أن هناك توجيهًا مباشرًا من الرئيس عبدالفتاح السيسى يستهدف تطوير المنطقة، بما يتلاءم مع المكانة الدينية والتاريخية والأثرية للمسجد والمنطقة المحيطة به، ليتكامل هذا المشروع مع خطة التطوير الشاملة التى تنفذها الحكومة فى عدة مناطق أخرى بالقاهرة التاريخية، أبرزها سور مجرى العيون، ومنطقة الفسطاط وشارع المعز، ومنطقة العتبة والقاهرة الخديوية.
وإحقاقًا للحق، فإن وجود قيادة سياسية تعى وتقدر أهمية تطوير منطقة الحسين على هذا النحو من الاهتمام شىء يدعو الى التفاؤل، وينبئ بأن القادم أفضل بإذن الله، خاصة ونحن نعى جيدًا الأهمية الدينية والتاريخية لمسجد الحسين، وندرك قيمة تلك الجهود من جانب الدولة لإعادة رونقه وبهائه، باعتباره مبنى أثريًا فريدًا يشهد على حقب تاريخية مهمة فى العصور الماضية من تاريخ مصر، وذلك من خلال ترميم الأجزاء المتهالكة، والعمل على توسعة ساحته، مع توسعة المساحات الداخلية للمُصلى؛ من أجل استيعاب أعداد كبيرة من المصلين، والحفاظ فى الوقت نفسه على المظهر الجمالى والزخرفى لمبنى المسجد.
وفى مشربنا، سيظل الذهاب إلى مسجد الحسين والتقرب من مقام الإمام يمثل بالنسبة لى حالة خاصة جدًا من الوجد والوصل والوصال، وسيظل الجلوس فى رحابه دافعًا للطمأنينة، كما يبعث فى النفس الشعور براحة البال، فقد قال رسول الله: «الحسين منى وأنا منه»، وزيارة الحسين زيارة للحبيب المصطفى، لأنه بعض من رسول الله، هو ابن على بن أبى طالب، أمه فاطمة الزهراء بنت الحبيب المصطفى.. ليس هذا فحسب، بل إن زيارتى مسجد الإمام الحسين، رضى الله عنه وأرضاه، تجعلنى أحلق بعيدًا فى سموات الروحانيات اللامحدودة، والتى تزداد وتصبح بلا أول ولا آخر كلما تكررت هذه الزيارة، حيث تهفو إليه الأفئدة ويشتاق إليه المحبون لآل البيت، والذين يعرفون جيدًا أفضال هؤلاء الأخيار أصحاب المقام العالى الرفيع.
ففى رحاب مقام الإمام الحسين الطيب الطاهر تأتى النفحات، وإذا جاءت النفحات ألهمنا الدعاء، وإذا جاء الدعاء أيقنا الإجابة، فاليقين بالإجابة هو سر العلاقة التى تربط بيننا وبين الخالق، جل شأنه، وهنا علينا أن نثق تمامًا بأن الله سيستجيب لدعائنا، الأمر الذى يدعونا لأن نضع نصب أعيننا ونحن فى رحاب آل البيت «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»، فاليقين بالله مفتاح الأمر كله، فجعلنا الله من الموقنين بأن الله سيستجيب لدعائنا.
فاستجابة الدعاء تأتى من الوصل والوصال، فإذا كان الوصل والوصال، التقت الذات العلية بالذات الإنسانية، وحدث الفؤاد فيرى الإنسان ما يرى «ما كذب الفؤاد ما رأى» والرؤية هنا ليست رؤية المكان، بل هى رؤية المكانة، فحينما تلتقى المقامات العلية تأتى رؤية المكانة، وحينما تكون فى الأماكن الطيبة الطاهرة فهى المكانة، وسر المكانة يكمن فى أن يلهمنا فيه الله الدعاء، فنعود بالوصل والوصال إلى خالقنا وبارئنا ومقدرنا فيتصل الواصل بالموصول.. ويصل الفرع إلى الأصل وإلى القبس النورانى، الذى خلقنا منه، وكان سيدنا على بن أبى طالب يقول «إذا ألهمت الدعاء أيقنت الإجابة فخزائن الله واسعة يعطى منها ما يشاء».
ولأننى من عشاق آل البيت، فإننى لم أدع فرصة تسنح لى لزيارة هؤلاء الأخيار تمر دون أن أغترف منها قبسًا من نور المصطفى، عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث قمت مؤخرًا بزيارة مقام صاحبة المقام الرفيع نفيسة العلم، وشرفت بالاقتراب من هذا المقام للاستزادة من علم ونورانيات صاحبة المقام، سليلة آل بيت الحبيب المصطفى الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير.. فعشت لحظات لا يمكن بأى حال من الأحوال نسيانها، لأنها ستظل محفورة فى الذاكرة، بل إننى أكاد أجزم بأنها كانت بالفعل خارج حدود المكان والزمان.
إن للمكان لبركة، وإن للإنسان لبركات إذا اجتمعت بركة المكان ببركة الزمان وبركة الإنسان تتنزل النفحات، فما بالنا إذا كان المكان فى حضرة السيدة نفيسة، رضى الله عنها وأرضاها وأسكنها فسيح جناته.. هنا تتجلى بركة المكان فى أروع صورها، إلى جوار السيدة نفيسة، التى لها فى قلوب المصريين مكانة خاصة، فنجدها قبلة للعارفين وعشاق العلوم، وحينما أتحدث أيضًا عن مقام السيدة زينب، رضى الله عنها وأرضاها، ففى مشربنا أن هؤلاء الأولياء ليس لهم قبور، بل هى أماكن طيبة يلتقى فيها أصحاب القلوب التى تهفو لذكر الله، فكما أن لدنيانا نواميس تحكم الحياة، فهناك نواميس أخرى تحكم هذا العالم.. وهو عالم البرزخ، الذى فيه أن الروح لا تموت.. فإذا كانت النفس تموت فإن الروح تصعد إلى بارئها وخالقها ومقدرها.. وبالتالى فإن الروح تستدعى فى الوقت الذى يشاء وبالعدد الذى يشاء وفى المكان الذى يشاء، وهو ما نجده حينما نصلى على النبى، عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه حتى إن كان عدد من يصلون عليه بالملايين، فإنه يرد عليهم بروحه فى وقت واحد، وهو ما يؤكد لنا أن عالم ونواميس الروح ليس كما هو عليه عالم الحياة التى نحياها.
وهو ما يجعلنى على يقين من أن مقامات آل البيت «السيدة زينب وسيدنا الحسين والسيدة نفيسة وبقية آل البيت» ونحن فى زيارة مساجدهم، فإنهم يكونون أيضًا مع الملايين من عشاقهم ومحبيهم فى كل مكان على وجه الأرض.. إنهم يسمعون منا جميعًا وفى نفس اللحظة.. وهنا يجب أن نضع فى الحسبان أنه منا من يسمع ردهم ومنا لم يصل بعد للمكانة النورانية، التى تمنحه القدرة على سماعهم، ولكنهم فى كل الحالات يسمعون من جميع محبيهم وزوارهم، فقوانين البرزخ مليئة بالأشياء التى تفوق العقول وتتخطى مفاهيم المعرفة الدنيوية، فعالم الأرواح هو عالم القبس النورانى وعالم الوصل والوصال، وحينما يتم الوصل والوصال نكون من العباد الذين قيل فيهم «لله عباد إذا أرادوا أراد»، كما أنهم هم الذين يكون من بينهم من قيل فيهم أيضًا «لله عباد قبل أن ترفع حواجبهم تقضى حوائجهم».
وفى هذا السياق، فإن زيارة مقام أولياء الله الصالحين تخلق حالة من الوجد الذى هو بمثابة حالة من العشق وحالة من الحب وحالة من السمو وحالة من التقاء الأرواح وقد تلتقى الأرواح فى برزخها، وقد تلتقى الأرواح فى عالمنا، الذى نعيش فيه فتخترق النواميس، ويلتقى المحبون، وهذه درجة من درجات الحب يصل إليها من أخلص فى حبه من المحبين.
وحالة الوجد مع سيدنا رسول الله، وأيضًا مع آل بيته الأخيار، هى أرقى مراحل الحب، والوجد مع سيدنا رسول الله يأتى فى حالة الحب، والحب هو حالة متبادلة بين الرسول ومن أحبه من المؤمنين، وعلى درجة حبك له تجد حالة الوجد معه.
فى الحقيقة، إن المولى، عز وجل، قد عرفنا على هذا الحب وعلى هذا الالتقاء فى كتابه الكريم بقوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا).. هذه الآية الكريمة كانت فى عهد الصحابة، حيث كان الصحابة يأتون إلى سيدنا رسول الله، فيستغفرون المولى عز وجل، ويستغفر لهم الرسول فيتوب الله عليهم.. أما وقد انتقل إلى جوار ربه فكيف نلتقى به، وكيف يمكن أن تتحقق هذه الآية الكريمة؟.. وهنا أقول: إن هذه الآية الكريمة تتحقق بمعرفتنا بأن رسول الله وهو يجلس ذات يوم وسط أصحابه، قال لهم: «اشتقت إلى أحبابى، قالوا أو لسنا أحبابك يارسول الله قال بلى، أنتم أصحابى، أما أحبابى من آمنوا بى وصدقونى ولم يرونى».
وإذا كان الصحابة من الرعيل الأول كانوا يذهبون إلى رسول الله ليجلسوا بين يديه فيتلقى سيدنا رسول الله منهم المحبة، ويستغفرون الله فيغفر لهم الله فتحدث حالة التوبة وتحدث حالة الاستغفار، وها نحن المحبين لا نستطيع الآن أن نذهب إلى سيدنا رسول الله، بل يأتى إلينا سيدنا رسول الله، وأعنى بذلك أن رسول الله يأتى إلينا حينما نصلى ونسلم ونبارك على سيدنا رسول الله، وأن نذكره بقلوبنا قبل ألسنتنا فى مساجد آل بيته، فما من أحد يصلى عليه إلا ويرد الله عليه السلام، ولكن كيف نصلى على سيدنا رسول الله حتى تحدث حالة الوجد، فمنا من يصلى بلسانه، ومنا من يصلى بقلبه، ومنا من يصلى بجوارحه، وبقدر إخلاصك وعدد صلاتك على سيدنا رسول الله بقدر تواجده معك.
من هنا، فإن الرسول يأتى لمن يصلى عليه، فحالة الحب هى حالة من الوجد، وحالة الصلاة على سيدنا رسول الله هى أيضًا إحدى حالات الوجد، وحالة الوجد تمنح الإنسان سموًا فى الروح وطهارة فى القلب، وذكاة النفس ورجاحة العقل، وشفاء البدن من كل داء وسقم، ولو أدرك المحبون لسيدنا رسول الله هذه الحالة ما تركوا وما فارقوا محبته لحظة، وما تركوا الصلاة والسلام عليه، وما تركوا فضل أضرحة آل بيته، فكل عمل ممكن أن يؤخذ منه ويرد له إلا الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، فهى مقبولة لا يرد فيها على صاحبها إلا الخير والقبول.
هذه درجة من درجات الحب، وحالة من حالات العشق لسيدنا رسول الله، لا ينعم بها إلا المحبون ولا يرتقى إليها إلا المخلصون، ولا ينعم بها إلا من أراد الله سبحانه وتعالى أن يمن عليه بجوار الحبيب المصطفى، فجوار الحبيب المصطفى فى الدنيا قبل الآخرة، وعشق الحبيب المصطفى هو حالة وجد وحالة طمأنينة تصيب الإنسان الذى مَنّ الله على قلبه بنور محبة رسول الله، فمحبة سيدنا محمد من محبة المولى عز وجل، حيث أخبرنا المصطفى بذلك بقوله: «والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من نفسه التى بين جنبيه».
فداك أبى وأمى يا رسول الله، فذبنا فيك عشقًا وذبنا فيك محبة، وذبنا فيك رغبة فى لقائك وضياء نور وجهك الكريم، والخيرية فى محبة سيدنا رسول الله خيرية دائمة حينما قال إن حياتى خير لكم ومماتى خير لكم، لذلك هذه الخيرية لا يستشعرها ولا يجدها إلا من أخلص فى حب الرسول، إنها ليست كلمات أو معانى تطرح على الأسماع لكنها أحاسيس ومشاعر لا تصل إلا للقلوب التى تستطيع أن تستقبلها، لأن اللغة تعطى المعنى ولا تستطيع أن تعطى مساحة المعنى فمهما أوتينا من مفردات اللغة ومهما أوتينا من جوامع الكلم لا نستطيع أن نوفى الحبيب المصطفى قدره لا بالحرف ولا بالمعنى، لكن سيدنا رسول الله لا يوفى قدره إلا مشاعر وأحاسيس نابضة فى القلوب التى قال فيها المولى عز وجل: «لا يسعنى سمائى ولا أرضى ولكن يسعنى قلب عبدى المؤمن فهى نبض القلوب تنبض بحبى».
والحديث هنا عن أن أهمية زيارة مقام آل البيت توضح، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن هذا المشروع القومى لإعادة تطوير منطقة مسجد سيدنا الحسين سيكون له عظيم الأثر فى تحويل هذا المكان إلى نقلة نوعية بكل المقاييس.
ads