رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أمواج «الوقت» الضائعة فى محيط العدم


منذ سنوات بعيدة شاهدت فيلماً تسجيلياً صامتاً من إنتاج مخرج ألمانى لاأتذكر اسمه الآن، ومدة الفيلم ثمانى دقائق ويعرض بطريقة «البانتوميم» قوة «الزمن» وجبروته ؛ ويعلن أنه لايتوقف أمام أى قوة تعترضه لأنه هو القوة الافتراضية الموجودة والتى نحسب بها أعمارنا فى متواليات الليل والنهار، ولا نستطيع الإمساك به بين أيدينا.

يبدأ الفيلم ودعنى أجعلك تعيش معى لحظاته بشخصية عنجهية متغطرسة لشخص يرتدى «الإسموكن» و«القبعة» ويمسك «السيجار» فى ترفـُّع ويمشى فى خطوات ثابتة رتيبة كخطوات عقارب الساعة.. الطريق: حجارة.. أشواك.. مياه رقراقة.. مياه آسنة.. نيران.. عواصف.. أمطار.. جبال.. وديان، ولكنه يمضى بنفس الخطوات الثابتة الرتيبة. يعترض طريقه ومسيرته شخص فى لباس «المُهرِّج» طالبًا منه التوقف ليستمع إليه.. يمضى الزمن.. يتشقلب المهرج.. يخلع أنفه الحمراء.. يضعها مرة ثانية فى محاولة للفت انتباه «الزمن العتيد» فلا يأبه به ويمضى فى نفس الخطوات الثابتة الرتيبة.

يذهب المهرج إلى صفائح البنزين ويهدد بأنه سيسكبه على رأسه وجسده.. الزمن يمضى غير عابئ.. المهرج يسكب البنزين فعلاً فوق رأسه وجسده.. الزمن يمضى ولا يلتفت.. يأتى المهرج بأعواد الثقاب ويهدِّد بالإشعال وسط هذا البحر من البنزين.. الزمن يمضى.. يشعل المهرج عود الثقاب ويشتعل.. الزمن يمضى يمضى يمضى.. حتى يدوس جثة المهرج المشتعلة فى خطواته الثابتة الرتيبة ولا يلتفت إلى الجثة التى تفحمت تمامًا.. يمضى الزمن بخطواته الثابتة الرتيبة الواثقة متجهاً إلى الأفق البعيد و.. و.. و.. ولا يختفى!!

باختصار.. آن الأوان لنا بأن نأخذ العظة والعبرة من هذا الفيلم الصامت المدوِّى والذى يُعلى قيمة «الوقت / الزمن» الذى لن ينتظر الكسالى والمهرجين، فالوقت يضيع ويتسرب من بين أصابعنا كالماء الزلال ويذهب إلى محيطات العدم بلا رجعة: يضيع فى إشارات المرور.. على المقاهى.. فى النوم الطويل.. فى عمل أشياء لاتفيد مسيرة الحياة التى تتطلب استغلال كل دقيقة من حياتنا على المنفعة العامة للوطن والبشر، تمامًا كما حدث فى زمن من الأزمنة بأن ذهب أحدهم إلى «السلطان» يعرض عليه ما توصل إليه من قدرته على إيلاج الخيط الرفيع من «سُم الخياط» ومن مسافة ثلاثة أمتار، ونجح فى المرة الأولى ليقول له السلطان إنها مصادفة، فينجح فى الثانية ليطلب «السلطان» الثالثة ليمنحه «العطيَّة» التى أرادها وجاء من أجلها، وينجح فى الثالثة بامتياز.. ليأمر السلطان بإعطائه «مائة دينار» مكافأة و«مائة جَلْدة» عقابًا.. لأنه أضاع وقته فيما لايفيد المجتمع والناس!!فما أحوجنا اليوم ونحن على أعتاب الحصاد لمجهوداتنا أن نعمل جادين على استغلال الوقت الذى هو «كالسيف إن لم تقطعه.. قطعكْ!!»، ولم تُقل هذه العبارة من فراغ، بل قيلت تقديرًا لقيمة وأهمية الوقت فى حياتنا ؛ التى تتطلب عدم تسرب أى ثانية منه فيما لايجدى نفعًا للوطن والبشر على أرضه.. فبالعمل الجاد تحيا الأمم وتنهض من عثراتها وتحقق كل الأحلام التى تصبو إليها، فكل المشروعات العملاقة تبدأ بالحلم النبيل، لنترك بصمتنا التى تخلد على مر الزمن ولتذكرنا الأجيال القادمة بكل الخير.. لأننا سنترك لهم وطنًا سعيدًا آمنًا يزهو بما صنعه الأجداد والأقدمون، لنكن نحن امتدادًا رائعًا يصنع المجد والخلود والسعادة للأجيال القادمة.