رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

باقى زكى يوسف.. هل يموت العمالقة؟


رحل عن عالمنا السبت الماضى اللواء باقى زكى يوسف، أحد عمالقة حرب أكتوبر الذين سيسطر التاريخ أسماءهم بحروف من نور نظرًا لما قدموه من بسالة وبطولة منقطعة النظير. من الأحداث التى لا يمكن أن ينساها المصريون والتى ستظل محفورة فى وجدانهم قرونًا طويلة، يوم العبور العظيم فى ٦ أكتوبر عام ١٩٧٣، ففى هذا اليوم حقق المصريون معجزات لا يزال العالم يقف أمامها مشدوهًا ومتمعنًا فى معنى ومغزى النصر الذى قام به رجال القوات المسلحة البواسل.
النصر الذى تكاتفت حوله جميع السواعد للوصول إليه، فلقد شارك فى حرب أكتوبر المسلمون والمسيحيون وسالت دماؤهم واختلطت وامتزجت معًا بتراب الوطن فى ملحمة وطنية رائعة شهدت لوحدة هذا الوطن وترابط أبنائه على اختلاف أديانهم، وقد كانت عملية تدمير الساتر الترابى من أروع البطولات التى ظهرت فى هذه المعركة، وصاحب هذه الفكرة العبقرية الضابط المهندس المسيحى باقى زكى يوسف، الذى كان برتبة مقدم آنذاك. فهذا الرجل يُعد من أبطال أكتوبر الذين يجب ألا نتجاهلهم أو ننساهم، فهو صاحب الفكرة العبقرية بفتح ثغرات فى هذا الساتر الترابى الذى أقامه العدو الإسرائيلى من أجل فصل سيناء عن مصر، وتجريف رمل خط بارليف على الضفة الشرقية لقناة السويس فى حرب أكتوبر ٧٣ لكى يستطيع الجيش المصرى أن يقتحم الدفاعات الإسرائيلية، وتعتبر فكرة باقى زكى هى مفتاح نصر أكتوبر، ومن غيرها كان من الصعب اقتحام خط بارليف.
وباقى زكى يوسف تخرج فى كلية الهندسة جامعة عين شمس عام ١٩٥٤، والتحق فى العام نفسه بالقوات المسلحة كضابط مهندس فى سلاح المركبات وانتُدب للعمل بمشروع السد العالى من عام ١٩٦٤ وحتى النكسة ١٩٦٧، وكان رئيسًا لأحد التشكيلات بالجيش الثالث الميدانى، وكان رئيسًا لفرع مركبات الجيش الثالث فى حرب أكتوبر عام ١٩٧٣، وخرج باقى زكى يوسف من الجيش برتبة لواء عام ١٩٨٤، وحصل على نوط الجمهورية من الطبقة الأولى على أعمال استثنائية فى حرب أكتوبر.
وعن كيفية التفكير فى التخلص من الساتر الترابى، قال اللواء باقى زكى فى أحد حواراته: «فى أبريل ١٩٦٤، انتدبت للعمل فى السد العالى من القوات المسلحة والأعمال هناك كانت كلها تتم بنظام معين، وبتكنولوجيا معينة، السد العالى كان عبارة عن رمل وزلط وحجر، وفى ٥ يونيو ١٩٦٧ حدثت النكسة، فقررت القوات المسلحة آنذاك إنهاء عمل كل الضباط المنتدبين فى الخارج فى كافة المؤسسات الحكومية، وعدت مرة أخرى للقوات المسلحة، وتم تعيينى رئيس مركبات فى أحد التشكيلات التى كانت موجودة غرب قناة السويس، وبطبيعة عملى كنت أمر على صف عربات الوحدة التابعة للتشكيل الذى أترأسه، وفى هذا الوقت كان الجيش الإسرائيلى لا يزال فى مرحلة بناء الساتر الترابى الذى كان جزءًا حصينًا من خط بارليف الدفاعى، والذى كان عبارة عن كثبان رملية طبيعية، وكثبان رملية نتيجة حفر القناة على الشاطئ الشرقى للقناة، العدو قام بتعلية هذه السواتر الترابية بتشكيلاتها القديمة والحديثة وأوصلها إلى ارتفاعات تصل إلى ١٢ أو٢٠ مترًا ارتفاعًا، وبعرض ٨ إلى ١٢ مترًا من السويس إلى بورسعيد، وأثناء مرورى بالقرب من هذه المنطقة، كنت أرى الساتر الترابى وهو فى مرحلة البناء، وبدأوا فى تعليته، وجعلوه مائلًا بنسبة ٨٠ درجة حتى يتماشى مع قاع القناة، فأصبح بذلك مانعًا شديدًا للغاية بعدما تم وضع ألغام ومفرقعات ومدافع داخله، فخطرت على بالى فكرة، أنه لو كان الساتر الترابى فى أسوان، لكانت خراطيم المياه التى تجرف الرمال إلى قاع السد العالى ممكن أن نستفيد منها فى مقاومة هذا الساتر الترابى، وهذا كان أقصى تفكير لى، وفى مايو ١٩٦٩ جاءتنا الأوامر بعبور قناة السويس، وفى أثناء جلوسى مع قائد الفرقة، عرضت فكرتى الخاصة بالساتر الترابى، وقام رؤساء العمليات بشرح الموقف كاملًا أمام الفرقة بتفاصيل شديدة الدقة، نشأته، طبيعته، مكوناته، التجهيزات الهندسية والقتالية الموجودة فيه، والتجارب التى يمكن إجراؤها للتغلب عليه، والتى كانت كلها نابعة من المدرسة الاستراتيجية العادية التقليدية العالمية، والتى كانت ستتم إما بالصواريخ أو المدفعية أو الطيران، وبتجربة كل هذه الطرق وجدنا أن المدة التى سنستغرقها فى فتح الثغرات فى الساتر الترابى ستكون ما بين ١٢ و١٥ ساعة، دون وجود دبابات أو مدفعية تغطى الجنود، المشكلة كانت صعبة للغاية، علاوة على أن الخسائر التقديرية كانت على أقل تقدير قد تصل إلى ٢٠ ألف شهيد على الأقل لحين إتمام هذه المهمة.
والفكرة كانت بداخلى، ولكنها تفجرت فجأة بمجرد سماعى قدر الخسائر التى من الممكن أن يتعرض لها الجيش مع وجود احتمالية لخسائر كبيرة فى الأرواح، فأعلنتها لقائدى، أول ثغرة تم فتحها الساعة السادسة يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣ وفى تمام الساعة العاشرة مساء، نجحنا فى فتح نحو ٦٠ ثغرة من الثغرات المقرر فتحها فى الساتر الترابى شرق قناة السويس وما يوازى نسبة ٧٥٪ من الثغرات التى كان من المقرر فتحها والساعة ٨ ونصف مساء يوم ٦ أكتوبر عبر أول لواء مدرع من داخل معبر القرش شمال الإسماعيلية، فى توقيت مبكر عن التوقيت المقرر بكثير».. وهكذا بفضل هذه الفكرة العبقرية تحقق لمصر النصر.
وعن تكريمه قال اللواء باقى زكى يوسف: «تكريمى الحقيقى كان عندما عشت اللحظة التى رأيت فيها فكرة من أفكارى تنقذ البلد، أنا لا أحتاج بعد كده ولا ورقة ولا شهادة، لأن ربنا أكرمنى جدًا بفكرة الساتر الترابى، فبدلًا من أن يسقط ٢٠ ألف شهيد عاد إلينا ٢٠ ألف بطل، ربنا منحنى الفكرة ومنحنى حقى تمامًا».
إنه عملاق مصرى لن يموت من ذاكرة ووجدان المصريين حتى وإن رحل عنا بالجسد.
سلاما لروحك سيادة اللواء باقى زكى يوسف.