رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

صراعات دامية للخروج من قوقعة السواد في رواية المتحرر من سلطة السواد

جريدة الدستور

تستقبل المكتبة العربية مولود أدبي جديد تتمثل في رواية ( المتحرر من سلطة السواد) للكاتب الشاب عبد المنعم بن السايح الصادرة عن منشورات الرابطة الولائية للفكر و الإبداع بالوادي بدولة الجزائر التي تعبر أول عمل روائي للكاتب .
و تدور أحداث الرواية عن قصة إنسانية محزنة لطفلٍ فَقَد بصره في حادث يومي مما جعله يقف أمام واقع مرير محتارًا كيف له أن يستكمل حياته بلا نظر و اعتبر هذه الإعاقة نهاية حياتِه و أنه بدون بصر هو مجرد عدم مما جعله يتساءل " من أين سأبدأ ؟ الظلام لا حدود له , أنتم لا تشعرون بي , لا أحد يفهمني , لو كنتم مكاني لفهمتم ما معنى أن يصبح الإنسان لقمة يمضغها فم الظلام " فهذا المقطع من الرواية أوصل لنا مدى الألم الداخلي الذي يصاب به كل شخص فَقَدَ البصر فجأة بعد أن كان يَرَى فجأةً يُصبح أسير السواد .
و لكن الكاتب لم يجعل من بطله شخصية انهزامية بل جعله شخصية إيجابية مشبعة بالأمل / التفاؤل برغم من المصاعب الذي واجهها , فالبطل لم يقف عند حد الفشل و الانكسار و الاستسلام لواقعه بل قرر التحدي و المحاربة و بدأ أولًا بمحاربةِ ذاته الخاضعة , ثم حارب شفقة المجتمع له لأنه لا يريد أن يصبح شخص يثير الشفقة بل قرر أ يحذف كلمة " الضرير , الكفيف , الأعمى المسكين " من قاموسهم .
فقد واجه بطل الرواية صراعات دامية للخروج من قوقعة السواد و العزلة التي صنعها له قدره , و أول تحدي واجهه صراعه مع الذات للخروج بها من عالم اليأس / الإحباط / الفشل إلى عالم أكثر جمالًا عالم مليء بالأمل / النجاح / الاستمرارية حيث يقول البطل مخاطبًا ذاته : " عليَّ أن أصير جديرًا باللون الأسود , الأسود ليس ضاحكًا كالأخضر أو مبتسمًا كالأصفر , ليس غاضبًا كالأحمر أو مبستمًا كالأزرق , إنه مملكة مجهولة للكثيرين , مملكة تفتش عن ملك جدير بالقيادة " , و يقول أيضًا مخاطبًا ذاته يبشرها بالأمل القادم : " شيء ما بدأ يتغير بداخلي , ضوء في آخر النفق ينادي , أمي و أبي و أخي كلهم ينتظرون خروجي من النفق , بدأت أبحث عن المفاتيح لأصير جديرًا بحكم مملكة السواد " , و من هنا نجد أن البطل قد أصبح شخصية أكثر إيجابية متحديًا بذالك السواد فقد إستغل هذا الفراغ الفسيح الذي غزى أيامه , و تصفح ذاته باحثًا عن سلاح ليطرد به العتمة فوجد بداخله طفل موهوب جدًا , فقد أصبح عازف بيانو مبدع ؛و عبقري حساب ؛ و في الأخير أصبح كاتب روائي ناجح , فالظروف المريرة جعلت منه مبدع .
نجد أن الكاتب أول لنا الإحساس الذي يعانيه الكفيف باحترافية و لخص لنا المصاعب الذي تواجهه و هو يشق طريف التحدي للتخلص من عقبة السواد , فلقد أوصل لنا تلك الكتل من الأوجاع و العواطف بأسلوب سهل الممتنع و شاعري و يحمل الكثير من الرؤيا و خاصة في فلسفة الألوان نظرًا لكون والد بطل الرواية فنان تشكيلي , و هذه العلاقة علاقة الأب و البطل جعل منها الكاتب عطاء فكري لتفسير الألوان التي لا يراها الكفيف و يتحسسها على طبيعتها لكي يختار أن يقتل بداخله السواد أو يقتله السواد بداخله مدى الحياة .
و في رحلة الإبحار في معالم الرواية لا يطال الملل ذهن القارئ , لأن الرواية تحوي الكثير من التشويق لتدفعنا لإكمالها في وقتٍ وجيز , لأنها تحوي أحداث مثيرة و مليئة بالألم التي تجعل القارئ أكثر وعيًا بهذه الفئة من المجتمع .. و كما لا يخفى على القارئ أمر في غاية الأهمية و يكمن في حضور القضية الفلسطينية في الرواية حيث يقول الكاتب على لسان بطله : " لا حزب لأبي إلا حزب الألوان , و لا طائفة له إلا الجمال , عيناه لا تبصران إلا فلسطين , و قلبه لا يخفق إلا للبندقية توجه رصاصها إلى الكيان الفلسطيني الغاصب " .
فعلا رواية المتحرر من سلطة السواد تستحق القراءة , لأنها تحمل بعد معرفي و إنساني , تتجلي في الرسالة التي طرحها الكاتب بالالتفات إلى هذه الشريحة من المجتمع التي نحكم عليها بالإعدام و التهميش بمجرد أنهم بالنسبة لنا معاقين , ناسين بذالك أن الإعاقة تكمن في إعاقة البصيرة و ليس البصر , و في النهاية ننهي قولها بقول بطل الرواية معلنًا تحرره من السواد إذ يقول :" يا أيها السواد ؛ مللت التأمل فيك كحرف يتحول في قاموسي باحثًا عن معنى , سأجعل من وحيك كل المعاني فقط لأقتلك .. فها أنا ذا تحررت من سلطة السواد , و اصبحتُ عازفًا و عبقري حساب و كاتب ينسج من جمال الكون الذي لا يراه حروفًا تسحر الأفئدة "