رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

سنة أولى معرض..

شيماء غنيم: البحث هو الأداة الأساسية للكاتب.. و"رَبْع الرُّز" ندهتني كنداهة

حوار الدستور مع شيماء
حوار الدستور مع شيماء غنيم

شيماء غنيم، كاتبة روائية شابة، تشارك في فعاليات الدورة 55 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، بتجربتها السردية الروائية الثانية، والصادرة عن دار العين للنشر، تحت عنوان "رَبْع الرُّز"، وكانت تجربتها الروائية الأولى ــ الغير منشورة ــ “أبواب نجية”  قد وصلت للقائمة القصيرة لجائزة خيري شلبي 2022.

اختارت “شيماء غنيم”، عشرينيات القرن المنصرم، مسرحا زمنيا لروايتها "رَبْع الرُّز"، وحي بولاق مسرحا مكانيا لرواية قد تبدو تاريخية إلا أنها تنتمي لعالم الحكاية والقص عن المهمشين المنسيين في زوايا الأماكن البعيدة والتي قد لا نشعر بوجودهم. تذكرنا بروايات حكاء المهمشين خيري شلبي.

التقت الـ“الدستور” الكاتبة الشابة شيماء غنيم، على هامش معرض القاهرة للكتاب، وحول عملها الروائي الأول المنشور، والقصة وراء بطلتيها “نرجس” و"زهرة"، وبقية سكان "رَبْع الرُّز"، وكيف خلقتهم من عالم الخيال حتي صاروا شخصيات حقيقية من لحم ودم، يتماهي معها متلقي العمل، بل قد يصل الأمر لحد البكاء على “نرجس” ومصيرها. 

 

ــ بداية، كيف ومتى بدأت رحلتك مع الكتابة، ولماذا الرواية تحديدا؟

لازمني عشق الكتابة منذ الصغر، بداية من موضوعات التعبير التي أكتشف فيها والدي موجه اللغة العربية موهبتي في صياغة الموضوعات وبعدها تطورت شيئًا فشيئًا فكنت أشارك في مجلة الحائط بالمدرسة الإعدادية وأكتب ما يؤرقني في صيغة قصص قصيرة. 

تطور الأمر أكثر في المرحلة الجامعية والتحاقي ببلاط الصحافة الذي ساق لي القصص الإنسانية رغم عملي بقسم الفن. رُحت أفتش عنها وأكتب ما أشعر به. ودائمًا ما كانت القراءة تلازمني لتحفزني وتدخلني عوالم جديدة. إلى أن اتخذت قرار النشر فالتحقت ببعض ورش الكتابة الإبداعية للانفتاح على عالم آخر والتعرف على تقنيات الكتابة المختلفة.

غير أن كل تركيزي كان منصبًا على القصة القصيرة حتى ارتفع رصيدي منها للعشرات على الورق وأكثر في رأسي. 

ثم حاولت تجربة قلمي فكتبت رواية قصيرة. كان التحدي مختلفًا من حيث اتساع مساحة السرد والاهتمام بالتفاصيل. عكفت على صقلها حتى اكتملت في نظري وقدمت بها في جائزة خيري شلبي وكانت المفاجأة أن وصلت للقائمة القصيرة. تذكرت يومها جملة استاذي الراحل (د. كمال رُحيم): " من تمتلك موهبتك لابد وأن تكتب عشرات الروايات بنفس جَمال كتابتك للقصة القصيرة" شجعني على مواصلة كتابة الرواية فكانت رِبْع الرُّز.

 

 ــ ذكرت أن “سيرة القاهرة” كانت من عوامل كتابة روايتك "رَبْع الرُّز"؟

وجودي داخل مبادرة سيرة القاهرة كأحد أعضائها جعلني أعشق التوغل داخل حواريها. بت أقرب للمدينة التي خلعت ثوب الأضواء أمامي، والحقيقة أن القاهرة لا تفتح أبوابها إلا للمحبين المخلصين، لذا تمشيات الآحاد التي كنا ننظمها جعلتني أدق أبواب الزمن وأبحث عن الخفايا داخل الجدران وكأن أصحاب المكان والعابرين على مر الزمن يبعثون برسائلهم لي. وما أراه كنت أبحث عنه في كتب التاريخ وأرشيف المجلات القديمة والعكس. لذا أشعر وكأنني محاطة بالتاريخ من كل الزوايا من أماكن وباحثين متخصصين ومؤرخين فـ "سيرة القاهرة" هي المظلة التي تجمع الكل تحتها. 

 

ــ القاعدة الذهبية في الكتابة: “أكتب عما تعرفه”، لماذا اخترت حقبة العشرينيات مسرحا لروايتك؟

مثلما ذكرت لك في السابق، أنا أشعر أن الموضوعات هي من تبحث عني. فأثناء عملي في البحث التاريخي لأحد المسلسلات التلفزيونية، عشت في أرشيف العشرينات، ومن كثرة تعمقي في البحث شعرت وكأنني أمشي معهم، انفصلت تمامًا عن عالمي وأصبحت تلك الفتاة بالملاءة اللف التي تتحدث وتفكر مثلهم. وبالصدفة وقع أمامي تقريرًا منشورًا في سنة 1929 م عن أكبر ربع أثري في مصر "رَبْع الرُّز" وكأنه نداهة، لا أعرف ماذا حدث لي، هاتفت بعدها صديقي عبد العظيم فهمي ليبحث معي عن هذا المكان، لم يكن هناك فكرة معينة ببالي ولكن من بعدها أصبحت العشرينات هي مسرح حياتي. واعتقد أن هناك زوايا كثيرة في التاريخ لم تُروى بعد وأصوات لم نسمعها.

 

ــ في "رَبْع الرُّز" اقتحمت عالم البيوت السرية وقت ما كانت الدعارة مرخصة، والمدقق يكتشف أن هناك جهد بحثي ملحوظ في معالجتك للأمر، خاصة في المصطلحات والمفردات التي كانت متداولة في هذا العالم. فكيف وصلت لهذه الدقة؟

البحث هو الأداة الأساسية للكاتب، كنت أبحث في الكتب وأرشيف المجلات والأفلام الوثائقية منها والسينمائية، كنت أجمع هذه المادة الأرشيفية وأقرأ نصوص المسرحيات القديمة منذ سنة 1919 م وما بعدها في فترة العشرينات، أكتب في مذكرتي كل الكلمات والتعبيرات اليومية المنتشرة آنذاك، أسأل أصدقائي من المتخصصين. عملية البحث استغرقت شهورًا عديدة قاربت على السنة حتى استطعت جمع هذه المادة التي استخدمت بعضها أثناء كتابتي للرواية. 

 

5ــ في "رَبْع الرُّز" مشاهد حسية جريئة، ألم تخشين رد فعل القراء خاصة في ظل انتشار ظاهرة ما يسمي بالأدب النظيف؟

في البداية لا أميل إلى هذا المصطلح، فالأدب هو ما يعبر عن الواقع وسلوكيات الفرد والمجتمع في زمن كتابته، وما لا يُعبر فهو ليس أدبًا من الأساس، مثال لا أستطيع الحديث عن بيت بغاء ولا أذكر ما يدور بداخله، لن أصدق نفسي أثناء الكتابة فكيف بالقارئ! 

بالطبع شعرت ببعض القلق من ردود الأفعال ولكن أردت الصدق لقلمي ففعلت. 

 

ــ لمن قرأت وأثر علي وعيك فكان قرار الكتابة؟

 اقرأ منذ الصغر وأحاول التعرف على عوالم جديدة ومختلفة ولكن الأقرب لي هم يوسف إدريس وماركيز وغسان كنفاني ونجيب محفوظ ورضوى عاشور وخالد الحسيني.

 

ــ بطلتي روايتك "رَبْع الرُّز"، قهرتا بشكل أو بآخر، غير أن المتلقي قد يتعاطف مع نرجس علي النقيض من زهرة. ما الفارق بين الشخصيتين، وكيف نسجت شخصيتهما، وهل هناك صدي من الواقع منهن؟

لا أعرف رد فعل المتلقي حتى الآن، فبالنسبة لي كلهن سواء، الاثنتان خاضتا معركة مع الحياة، مع الأعراف والتقاليد، مع المجتمع الذي يوصمهم بعار ولادتهن كإناث، رغم تربيتهما المختلفة في بيئات متباعدة إلا أن الظروف جمعتهما تحت سقف الرَّبع مع المهمشين الذين يقفون على فوهة المدفع في مواجهة كل الشرور من فساد وأمراض وأحقر الأعمال.

شخصية “نرجس” لها صدى من الواقع، فلقد جمعتني الصدفة بها في خبر حوادث في أرشيف المجلات، جذبتني وبدأت تطوير شخصيتها ونسجها مع الأحداث فكانت على هذه الصورة.

أعتقد أن الفرق بين نرجس وزُهرة هو الإصرار. زُهرة دائمًا في حالة اعتمادية على الغير، على عكس نرجس التي تعشق المغامرة والتحدي وخوض معارك مختلفة واستخدام ذكائها كأنثى لمحاولة التغلب على واقعها. 

 

ــ قلت أنك منذ طفولتك تحرصين علي زيارة معرض الكتاب، ما شعور هذا العام وأنت إحدى بطلاته ولست مجرد زائرة لاقتناء الكتب؟

شعور بالرهبة والفرحة في ذات الوقت، الفرحة لحُلم تحقق بعد سنين، ورهبة من عِظم المكان وردود أفعال القراء حول الرواية 

 

-ما الذي تصبو إليه شيماء غنيم على مستوى كتابتها؟

أنا في بحث دائم عن المهمشين، عمن فُقدت أصواتهم على مر الزمن ووقعت من بطون الكتب، هذا ما أسعى إليه أن أكون ذلك الصوت الذي يشق ظلام قبورهم في الحياة والممات. 

 

ــ كان لوفاة سعد زغلول كبير الأثر علي أبطال "رَبْع الرُّز" رغم بساطتهم وعزلتهم عن العالم، كيف ولماذا اخترت هذه الواقعة محركا ومبتدا لأحداث الرواية؟

فكرت كثيرًا قبل البدء في الكتابة، ما الذي يجمع كل هؤلاء، الشرفاء والفاسدين، الأغنياء والفقراء؟ فكان هو الأب الروحي للمصريين سعد زغلول. هو صوت من لا صوت لهم ورَب البيت الذي يُدبر ويخطط من أجل مصالحهم حتى لو اختلفوا معه أو لم يفهموا أبعاد قراراته. لذا كانت وفاته الصدمة الكُبرى التي أصبحوا بها أيتامًا لا يراهم أحد، فقدوا الأمان وزالت مظلة الحماية ليخرج الماضي ويقتنص كل واحد منهم.

 

ــ جمعت الصداقة بين “سالم” و"أحمد أفندي"، إلا أن سالم الذي انغمس في مقاومة الإنجليز لم يعلن هذا يوما، بينما أحمد أفندي نال كل تبجيل أهل "رَبْع الرُّز"، كيف بنيت الشخصيتين، وهل تعمدت الانحياز لمقولة نجيب محفوظ: “الثورات يخطط لها الدهاة وينفذها الشجعان ويجنى ثمارها الجبناء”؟

لم أفكر في المقولة وقت الكتابة، من المرجح أنه تم تخزينها في عقلي الباطن، ولكن الآن أرى بالفعل صدقها. “سالم” هو المواطن المصري البسيط الذي يعشق تراب بلده وفي نفس الوقت يحاول اعتراك الحياة كل يوم، هو إنسان بكل بساطة. أما “أحمد أفندي” فشخصيته مركبة يتصارع فيها الخير والشر ويتفاعل مع الحُب وأنانية البشر.

 

- وإلى أي مدى يمثل أحمد أفندي المثقفين في المجتمع المصري؟

إلى حد كبير، فكم ممن يحملون الشهرة والكلمة وبداخلهم صفحات بيضاء، وهناك من يقولون ما لا يفعلون. لا أقول هذا على سبيل التعميم بالطبع، فثراء مجتمع المثقفين من ثراء المجتمع المصري، شديد التنوع.