رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«بيزنس المصروفات».. مدارس خاصة ترفض قبول الطلاب المرضى

أرشيفية
أرشيفية

في سن الخامسة، علمت مروة.ي، عشرينية، أن ابنها “يوسف” مصاب بالسكر، بعد رحلة من الكشوفات الطبية والتحاليل، فلم يكن أمامها سوى حرمانه من بعض الأطعمة والتعايش مع ذلك المرض، بالرغم من عدم قدرته على الالتزام في بعض الأحيان.

طوال عام من الخامسة إلى السادسة، أجبرت مروة على التعايش مع الأمر في المنزل وداخل الحضانة التي كان يتبعها مع وجود المشرفة الخاصة به، حتى ذلك العام الذي كان على “يوسف” أن يلتحق بالصف الأول الابتدائي.

تقول: "أردت إلحاقه بمدرسة خاصة حتى يتفوق ويستطيع فهم دروسه جيدًا، ولا يكن المرض بالنسبة له عائق في أن يكون ذا شأن فيما بعد، ولكني فوجئت بأن بعض المدارس الخاصة ترفض الطلاب المرضى حتى وأن كانت أمراضهم غير معدية".

مروة وابنها ليسوا حالة فردية، إذ أن هناك مدارس خاصة ترفض قبول الطلاب المرضى السكري/ السرطان، وهي أمراض غير معدية، والبعض منهم يشترط زيادة المصروفات بدعوى أنهم يحتاجون اهتمام أزيد، بما يخالف القانون والدستور الذي يضمن حق الطفل في التعلم.

 

مروة: "خمسة مدارس رفض ابني بسبب مرضه" 

تقول مرة: "خمسة مدارس رفضته بسبب مرضه بدعوى أنه سيكون مختلف عن أقرانه، وسيحتاج اهتمام زائد، طلبت منهم أن تكون المشرفة التي قضت معه أعوام الحضانة تدخل معه الفصل والمدرسة إلا أنهم رفضوا".

تضيف: "طلبوا مني إلحاقه بمدارس الدمج والتي تكون لأطفال التوحد أو ذوي الاحتياجات الخاصة، في وقت لا تقوم فيه المشرفة التي تأتي معه سوى بإلزامه بنظامه الغذائي وإعطائه الأدوية في مواعيدها، وهي أمور يستطيع هو فعلها بنفسه ولن تكلف المدرسة شيء".

شعرت مروة في ذلك الوقت بالتميز الشديد تجاهها هي وابنها، حتى وجدت مدرسة خاصة قبلت وجوده ولكن أجبرت على إمضاء تقرير إخلاء مسؤولية المدرسة من أي شيء يخص مرضه، وهو ما فعلته مجبرة.

مروة تقول: "لم يكن أمامي سبيل آخر، كل المدارس الخاصة لا تقبل الطلاب سوى بشهادات صحية سليمة، وأعرض البعض لجأ إلى تزوير تلك الشهادة بسبب رفض قبول الأطفال المرضى".

جريمة بيزنس المدارس الخاصة

يخالف ما حدث مع “مروة” قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والذي ينص على حق الطفل في التعليم بالمجان، وخصص الباب الرابع من القانون لهذا الحق، ونصت المادة (53) على يهدف تعليم الطفل بمختلف مراحل التعليم إلى تحقيق ذلك الأمر.

ونصت على: "تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها، مع مراعاة اتفاق برامج التعليم، ترسيخ قيم المساواة بين الأفراد وعدم التمييز بسبب الدين أو الجنس أو العرق أو العنصر أو الأصل الاجتماعي أو الإعاقة أو أى وجه آخر من وجوه التمييز".

 

أحمد مصيلحي: "من المفترض تطبيق جزاءات صارمة على المدارس المخالفة للمعايير الوزارية"

أحمد مصيلحي، محامي بالنقض ورئيس شبكة الدفاع عن الأطفال، يقول: "وجود بعض المدارس الخاصة التي تستهدف تحصيل رسوم إضافية من أولياء الأمور شريطة قبول أبناءهم الذين يعانون من بعض  الأمراض المستعصية مثل الصرع أو السكري وغيره، لا يمت للقانون بصلة ويخالف المعايير النظامية التي أقرتها وزارة التربية والتعليم".

ويؤكد على أنه لا بد أن تكون المدارس مجهزة بالفعل لاستقبال مثل تلك الحالات، منوهًا إنه لا يمكن التمييز بين الأطفال في الحقوق كافة سواء أكانت صحية أو تعليمية: "كل حالة ليها وضعها المدرسة لو منعت دخول طالب بيبقي في مخالفة إدارية من قبل الإدارة التعليمية والجزاءات بتختلف من لفت نظر حتى الفصل والمنع من الترقية".

ويستكمل: "ولقد نص القانون على مبدأ تكافؤ الفرص للجميع باختلاف أجناسهم وألوانهم، أي حصول كل فرد على فرصة مكافئة مع غيره حيث لا يوجد تمييز ما بين المصريين كأشخاص حتى وإن كانت لدى أحدهم  إعاقة أو مرض، فجميعنا سواء أمام القانون في الحقوق والواجبات".

نهى: "صدمت أنا وابنتي بسبب رفض التحاقها بالمدرسة"

حالة من التدهور أصابت نهى. أ، 30 عامًا، بعدما علمت أن ابنتها مصابة بورم سرطاني في المخ، إلا أنها بدأت رحلة علاج ما بين كيماوي وجلسات إشعاع من أجل القضاء على ذلك الورم السرطاني.

تقول: "رحلة العلاج أثرت على ابنتي نفسيًا وجسديًا، ورغم ذلك كانت تستذكر دروسها خلال الحضانة، طمعًا في الالتحاق بالمدرسة فيما بعد مثل كل أقرانها في الحضانة بعد التخرج منها".

تحضرت جيدًا تاليا ابنة نهى مع بداية العام الدراسي بالرغم من مرضها وألمها، وابتاعت لها والدتها كل ما ستحتاجه وأزيد أثناء الدراسة، إلا أنهما اصطدما بالشروط التي تضعها بعض المدارس الخاصة بعدم قبول الطلاب المرضى.

تقول: "المدارس الخاصة لا تقبل الطلاب المرضى سواء بالسرطان أو السكرى، وهو تمييز فئوي وعنصري ضدهم بالرغم من تفوقهم علميًا وحقهم في التعليم وإتاحة الفرصة ولا يحتاجون أي شيء زايد عن الطلاب غير المرضى".

توضح أنها اضطرت إلى دخولها مدرسة حكومية في العام الأول، ولكنها تعاني من تنمر بعض الطلاب عليها، بسبب تناولها لأدويتها بشكل مستمر وعدم اهتمام المدرسين بها ما أثر على نفسيتها بشدة.

 

استشاري الصحة النفسية: "تسليع التعليم.. جريمة في حق أبناءنا"

"تسليع التعليم.. جريمة في حق أبناءنا"، بتلك الكلمات بدأ بها الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، حديثه لـ"الدستور" موضحًا إن هناك بعض المدارس الخاصة تعمل على زيادة المصروفات المدرسية المنصوص عليها، مخالفة لما أقرته وزارة التربية والتعليم، لبعض الطلاب الذين يعانون من بعض الأمراض المزمنة، وهذا يعد  تسليعًا للتعليم.

يقول: "تستهدف تلك المدارس التعليمية تحصيل أرباح مالية لا لتقديم التعليم كخدمة للطلاب وللأسر المصرية في سبيل إنشاء جيل سليم وقوي ومعافى من الناحية النفسية والعقلية والتعليمية قبل الناحية البدنية"، مضيفًا إن الأمر تحول إلى المتاجرة بالإنسان بدلًا من تقديم رسالة سامية للتربية وبناء الإنسان، وقد أصبحت تتعامل معه كسلعة مستنزفةً لكل موارد الأسرة المالية.

ويؤكد إن تحصيل رسوم دراسية إضافية شريطة قبول طلاب مرضى قرار غير آدمي، ويعمق بعض المشاعر النفسية السيئة في نفوس الطلاب، والتي تكون مزيج بين الحزن والكآبة مع وجود ذكريات أليمة لتلك الفترات من حياتهم، ومن ثم يراودهم شعور بالذنب ينتج عن وجود خلافات أسرية.

من بينها التنمر والتمييز العنصري، مما يؤدي بدوره إلى تعميق الخوف من المجهول بداخلهم وفقدان الذات وحدوث متلازمة القلق ونوبات، لاسيما صعوبة تقبل المدرسة ورموزها مما يسهم في عدم التكيف مع المدرسة بحسب الاستشاري النفسي.

 

بسمة تدفع مصروفات زائدة لقبول ابنها

كان الأمر أكثر تعسفًا لدى بسمة.م، والتي اضطرت إلى دفع مصاريف زيادة في إحدى المدارس الخاصة من أجل قبول ابنها المصاب بسرطان في الدم، والذي قضى رحلة علاج طويلة زادت مع رفض إلتحاقه بالصف الأول الابتدائي.

تقول بسمة: "اكتشفت مرضه في سن الخامسة، ووقتها بدأ رحلة علاج سرطان الأطفال، ما بين كيماوي وأشعة وجلسات، واتحسن وبقى كويس وحبيت أقدم له في مدرسة خاصة بعد بلوغه سن الـ7 سنوات".

تضيف: "ابني أخرته سنة كاملة من 6 سنين لحد 7 عشان يكون تم علاجه على أكمل وجه وخف، ودا اللي حصل لكن شهادته الصحية كان مكتوب فيه أنه كان بيعاني من سرطان في الدم وتماثل للشفاء".

رفضت المدرسة نجل بسمة تخوفًا من أن يرد السرطان له مرة أخرى: "فيه حالات للأطفال بعد ما بيخفوا من السرطان بيرجع يرد ليهم تاني، ودا اللي كان مخوف المدرسة لكنه مش مبرر لرفضه وطلب مصروفات زيادة عشان يرضوا يلحقوه بالمدرسة".

عاصم البراشي: "رفض الطلاب لمرضهم تنمر يؤثر على صحتهم النفسية"

عاصم البراشي، استشاري جراحة الأورام بالمعهد القومي للأورام، يقول إن وجود مدارس خاصة تستغل الحالة الصحية للطلاب الذين يعانون من بعض الأمراض الصحية كمرض السكرى أو السرطان وغيره؛ من أجل تحصيل زيادة بالمصروفات الدراسية يعد عمل غير إنساني، فالتعليم حق للجميع ولا يٌسمح لأي مؤسسة بتسليع التعليم مقابل مبالغ مالية.وتابع: "مريض السرطان يعاني من القصور بمتابعة المهام المدرسية، وخاصة عجزه عن حضور العديد من الحصص المدرسية؛ نظرًا لوجود مواعيد معينة مخصصة لتلقي  جرعات الكيماوي وقد تتعارض تلك معها، فقد يحتاج الذهاب إلى المستشفى أسبوعيًا وقد يكون بشكل يومي، وأيضًا الحاجة إلى عمل الأشعة بشكل مستمر، لا سيما  حالة الإرهاق الذي تنتاب الطالب بشكل يفقده القدرة على ممارسة المهام المدرسية بشكل طبيعي".

يشدد البراشي على أن ذلك ليس مبررًا لرفضهم، لكونهم يحتاجون إلى الدعم النفسي من قبل هيئة التدريس وعلى رأسهم أولياء أمورهم، مؤكدًا أيضًا على مراعاة مواعيد هؤلاء الطلاب من قبل طاقم التدريس، والعمل بشكل مكثف على توفير الحصص التي لم يتمكنوا من حضورها نتيجة الذهاب للحصول على الجرعات المحددة لهم، ولا سيما العمل على تهيئة الجو الملائم لهم، موضحًا إن مريض السرطان يعاني من ضعف المناعة الذي يتطلب بدوره عدم تواجد الطالب في فصل متكدس وغير جيد التهوية.

 

محمد عبد العزيز: "رفض الطلاب يؤثر على صحتهم النفسية بشدة"

ويعلق الدكتور محمد عبد العزيز، أستاذ العلوم والتربية جامعة عين شمس، على قيام بعض  المدارس الخاصة بالحصول على رسوم مدرسية إضافية شريطة قبول الطلاب المرضى، قائلاً: "إنه من المفترض أن  توجه وزارة التربية والتعليم كافة الأنظار لتلك القضية الشائكة، فقد تمثل بدورها عقبة كبيرة في حياة الكثيرين من الطلاب، لما لها من آثار سلبية كثيرة قد تطيح بمستقبلهم وأحلامهم".

يقول: "يوجد بعض بالفعل عدد من المدارس الخاصة ترفض قبول التحاق الطلبة المرضى بها، إلا في حالة وجود مصروفات مالية أكبر من المعتاد، ومن هنا تتعالى صيحات الأهالي البسطاء الذين يسعون لتعلم أبنائهم بتلك المدارس، مضيفًا إنه يستوجب على المدرسة معرفة الحالة الصحية للطالب المتقدم للالتحاق بالمدرسة، لمعرفة ما يعاني منه الطالب ومن ثم التعامل معه بالشكل المناسب لحالته.

يضيف: "لازم يكون هناك رعاية خاصة لهؤلاء الطلبة لو تعرض لأزمة صحية، أكيد بيكون محتاج رعاية كاملة من وجود طبيب وممرضين للعناية بهم، ومن ثم يستوجب على وزارة التربية والتعليم وضع معايير للحد من ذلك، ويبكون هذا من خلال الإشراف المالي والرقابي، لا تكون متروكة للعرض والطلب حتى لا يتم استغلال الطالب وولي الأمر".

ويرى أنه وفقًا لما أصدرته وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، في بيان لها، ضرورة التزام المدارس الدولية والخاصة بنسب الزيادة المنصوص عليها سنويًا في مصروفات الطلاب الدراسية، منوهًا على ضرورة عدم تحصيل أي مبالغ بالزيادة عن المصروفات المقررة للمدرسة: "نحن بصدد وزارة جديدة من المفترض إنها ستخطو خطى واعدة لتغيير الأنظمة الفاشلة وتطوير أساليب التعليم، ما يستوجب وضع قانون وقواعد صارمة للحد من تلك المخالفات".

وعن أبرز النصائح التي يقدمها الدكتور محمد عبدالعزيز لأولياء أمور هؤلاء الطلاب، يقول: "على ولي الأمر ألا يخفي عن المسؤول حقيقة مرض ابنه أو الحالة الصحية التي يمر بها الطالب وذلك لأخذ الإجراءات اللازمة، لا سيما التعامل المناسب معه واتباع بعض التعليمات المناسبة التي تمكنه من التكيف مع تلك الظروف".