رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

من صفحات التاريخ.. القمص أنجيلوس جرجس يروي هكذا كان يحتفل الأقباط بالنيروز

الكنيسة
الكنيسة

تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، اليوم الأحد بعيد النيروز، وعلى خلفية الاحتفالات قال القمص أنجيلوس جرجس، راعي كنيسة أبي سرجة بمصر القديمة، في تصريح له إنه: «تحتفل مصر بعيد السنة القبطية أو بداية التقويم المصري القديم الذي بدأ عام 4241 ق.م حين اكتشف العالم المصري العظيم "توت" دورة النجم "سبدت" أو "سيروس" باليوناني أو الشعري اليمانية بالعربي، والعالم "توت" قسم السنة اثتني عشر شهراً بعدد الأبراج الاثني عشر الموجودة في منطقة البروج التي تدور فيها كواكبنا السيارة وتسمى (Zodiac) "زودياك"، وقسم الشهر ثلاثين يوماً مقسمة إلى ثلاثة مواسم أربعة أشهر لفصل الفيضان، وأخرى للزارعة، وأخرى للحصاد، وأضافوا خمسة أيام سموها الشهر الصغير. وكان يوم شروق نجم الشعرى اليمانية قبل شروق الشمس قبالة أنف أبو الهول هو يوم وصول فيضان النيل إلى عاصمة مصر القديمة منف لذلك هو عيد بداية العام».

وأضاف: «وكان الاحتفال بهذا العيد مهيباً جداً يحتفل فيه المصريون برموزهم الدينية بالموسيقى والألحان، ويسكب الماء المقدس علامة على فيضان النيل، ويرفع البخور مع أول شعاع للشمس في هذا اليوم. ويمكننا أن نرى مظاهر هذا الاحتفال كاملة في معبد حتحور بمدينة دندرة بقنا، وحين دخل الفرس مصر عام 525 ق.م ورأوا المصريون وعظمة هذا الاحتفال أطلقوا على هذا العيد النيروز وهي كلمة فارسية تعني اليوم الجديد، كما أن كلمة نيروز من الكلمة القبطية "ني يارؤو" أي الأنهار لأن فيه يتم الفيضان، ولكن عرفت في كتابات التاريخ العربي بالنيروز لتشابه النطق بين الكلمتين. إلا أن المصريون اعتبروا عام 284م هو بداية تقويم جديد وهو تقويم الشهداء وصار النيروز هو تقويم وعيد الشهداء».

وتابع: «وهذا العام هو عام جلوس الإمبراطور دقلديانوس على عرش روما حيث سفك دماء مليون قبطي حتى يتمكن من سحق هويتهم المسيحية وجعلهم رعايا رومان يدينون بالوثنية دين الدولة التي فيها يعتبر الإمبراطور إلهاً وهذا ما رفضه المصريون منذ الاحتلال الروماني. وقد قبل المصريون المسيحية في وقت مبكر جداً حين أتى إليها القديس مرقس أحد رسل السيد المسيح وكرز في مصر ولكن في عام 68 م أخذوه الوثنيين وجروه في شوارع الإسكندرية وسال دمه في أروقتها ثم في النهاية قطعوا رأسه».

وأكمل: «ومنذ استشهاد مارمرقس إلى عصر قسطنطين ولم يتوقف سفك دماء الأقباط من أباطرة روما في عشر حلقات عنيفة، منذ عهد نيرون عام 54 م، ثم بعده دومتيانوس عام 81م الذي اعتبر المسيحية جريمة ضد الإمبراطورية، وجاء بعده تراجان عام 98م الذي أصدر قراراً بالقضاء على المسيحية في كل أنحاء الإمبراطورية وقد وجه عدائه لأقباط مصر على وجه الخصوص، ثم جاء بعده ماركوس أوريليوس عام 169م وقد أصدر أمر بإبادة المسيحية وقتل كل رجال الدين المسيحي وقد امتلأت الشوارع بأجساد الشهداء، ثم جاء بعده سبتيموس سافيروس عام 193م وقد أصدر مرسوماً يقضي بمنع التبشير بالمسيحية واعتبار المسيحية جريمة تستوفي الموت». 

ويقول أحد المعاصرين الأقباط وهو القديس إكليمندس: «إن كثيرين من الشهداء كانوا يصلبون أو تقطع رؤوسهم أو يحرقون أمام أعيننا كل يوم».

وأردف: «ثم بعده كاركلا 212م الذي جاء إلى مصر وقتل عشرون ألف قبطي في يوم واحد وضاعف الضرائب على الأقباط، وبعده جاء مكسيميانوس 236م وقد كانت قناعته إنه إذا قضى على أقباط مصر يستطيع أن يمحو المسيحية فاستشهد في عصره مئات الآلاف من الأقباط بعد تعذيب وحشي من جنوده الرومان. وبعده جاء داكيوس عام 249م الذي أصدر مرسوماً بإعادة الديانة الوثنية في أنحاء الإمبراطورية واستئصال المسيحية من كل العالم».

ويقول البابا ديونسيوس المعاصر لهذا الاضطهاد: «إذا سار الإنسان نهاراً أو ليلاً في الشوارع والأزقة لا يسمع إلا ضجيج قوم يهددون ويتوعدون ويعذبون كل من يرفض أن يجحد إيمانه وينكر مسيحه، ولا يرى المرء إلا أبرار يجرهم الأشرار على وجوههم ثم يطرحونهم في النار فيحترقون كالهشيم».

وواصل: «ثم بعده جاء فاليريان 253م وقد أصدر أمراً بقتل كل مسيحي في الإمبراطورية، وكالعادة كان للأقباط النصيب الأكبر من سفك الدماء»، ويقول أحد المؤرخين لهذه الفترة عن أقباط مصر: «حين تمر على المدن ستسمع تنهدات وزفرات يكاد ينفطر لها القلب ألماً على قوم مشرفين على الهلاك يرون أبواب القبور مفتوحة أمامهم تكاد أن تبتلعهم قبل أن تفارق الروح أجسامهم، فلم يخل بيت من شهيد واحد على الأقل».

واستطرد: «وبعده جاء عصر هدوء قبل عاصفة الدم وانطلاق الوحش الآدمي دقلديانوس فقد جاء إلى مصر على رأس جيشاً وقد أقسم أنه لن يعود حتى يقتل كل المسيحيين فيها وسيسيل دماؤهم حتى تصل إلى ركبة فرسه»، ويقول مؤرخ غير مصري اسمه يوسابيوس القيصري: «أنه ليعسر على الكاتب الماهر أن يصف مقدار ما تجرعه شهداء مصر من ألوان العذاب القاسية والآلام التي تشيب من ذكرها النواصي، فقد كانوا يأتون بالشهداء ويشقون بالخناجر أجسادهم، وينتزعون عنها الجلد عضواَ عضواً حتى تزهق الروح، وكانوا يقطعون أصابع المسيحيين بالحديد المحمي بالنار، وينزعون جفونهم، ويحرقون عيونهم، وحين يصمد الشهيد على هذا يلقوه شبه ميت للوحوش تلتهمه أو تقطع رأسه بالسيف».

واختتم: «واستمر الاستشهاد في عصر دقلديانوس ومعه جاليروس ومكسيميانوس شركاؤه في الحكم لمدة عشرة أعوام كانت المذابح جماعية وفردية فذبح 814 شهيداً في أخميم، وخمسة آلاف في أسنا، وخمسة آلاف في أنصنا، واستشهاد الكتيبة الطيبية عددها 6666 شهيد، وألف وخمسمائة في أتريب». 

ويقول أحد المؤرخين إن عدد الأقباط قد تناقص من عشرين مليون إلى عشرة ملايين في نهاية حكم دقلديانوس، وبعد نهاية زمن الاستشهاد رفع الأقباط رؤوسهم وأعلنوا أن تقويمهم الجديد هو تقويم الشهداء تخليداً لهذه الدماء التي سالت على أرض مصر لأجل الإيمان، هذا كي نظل متذكرين تاريخنا العظيم وأجدادنا العظام. 

ويقول المؤرخ البريطاني هوبل: «إذا أردت أن تلغي شعباً، أبدأ أولاً بشل ذاكرته، ثم تلغي كتبه وثقافاته وتاريخه، عندها ينسى هذا الشعب من كان وماذا كان، والعالم ينساه أيضاً».