رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

بعض من المعاناة يجعل الحياة ممتعة

ما الذى يدفع الإنسان إلى عالم المغامرة؟ لماذا يرفض البعض حياة الدعة والراحة؟ الوظائف المعتادة؟

المصور الأمريكى «كريس بوركارد» Chris Burkard، وهو مصور محترف متخصص فى تصوير راكبى الأمواج، يقيم فى منطقة الساحل الأوسط بكاليفورنيا، يصور المناظر الطبيعية، ونمط الحياة وركوب الأمواج فى الهواء الطلق وموضوعات السفر.

نموذج للمغامرين الذين لا تعرف حياتهم الرتابة أو التكرار، إنه يبحث عن المتعة الخالصة التى قد يراها الكثيرون ضربًا من الجنون، وهذه المتعة هى استكشاف المناطق المجهولة وغير المأهولة على سطح الكرة الأرضية، كى يصورها ويوثّق أجواءها.

فينشر صورة وهو يسبح فى جزر لوفوتين فى النرويج، داخل منطقة القطب الشمالى، حيث يوشك الماء على التجمد، وتعلوه رياح باردة بدرجة حرارة ١٠ تحت الصفر، ورغم أنه شعر وكأن الدم ينسحب من يديه وقدميه ووجهه، وكانت شفتاه متورمتين وعيناه غائرتين، إلا أنه رأى فى هذا المكان الكثير من المتعة.

يؤمن «كريس بوركارد» بمقولة عالم النفس «بروك باستشن»: «الألم طريق مختصر إلى اليقظة»، لأنه يجعلك تشعر فجأة بكل شىء فى البيئة، فهو يسحبنا بشدة إلى وعى حسى افتراضى بالعالم مثلما يحدث فى التأمل.. «لذا نجده يبحث دائمًا عن كل جديد ولا يستقر فى مكان، فيتنقل من المناطق الاستوائية إلى أكثر المناطق برودة فى العالم». 

بدأت رحلة «كريس بوركارد» مع التصوير فى عمر ١٩ عامًا، فأخبر والديه بأنه سوف يترك وظيفته ويتابع حلمه، وهو الحياة تحت السماء الزرقاء، والشواطئ الاستوائية الدافئة ولون بشرة أسمر طوال السنة، حيث عمل فى تصوير المتزلجين على الماء وراكبى الأمواج.

ظلت حياته مستقرة لفترة ولم يدم الأمر طويلًا، فتسرب إليه الشعور بالملل وفقدت الشواطئ الاستوائية بسياحها وألعابها بريقها، وعاوده الاشتياق إلى الأماكن البرية والمساحات المفتوحة، ولهذا بدأ البحث عن أماكن يستبعدها الآخرون لأنها باردة جدًا وبعيدة جدًا وخطرة جدًا لركوب الأمواج، وكان هذا التحدى يحفزه للغاية.

«وبدأت هذا النوع من التحدى الذاتى ضد الأمور الاعتيادية، وذلك لأننى أدركت أن أى مهنة أخرى مهما كانت، حتى إذا كانت تبدو مثيرة جدًا مثل تصوير ركوب الأمواج، يصيبها هى الأخرى خطر الرتابة».

وفكّر أن البحار الباردة ربما تكون مثالية لركوب الأمواج، فقام بأول رحلة إلى أيسلندا، وفى أحد أكثر الأماكن هدوءًا على وجه الأرض وجد وضوحًا واتصالًا مع العالم لم يجده فى الشواطئ المزدحمة.

يركز «كريس» فى تصويره على البيئات الصعبة والنائية، فذهب إلى روسيا والنرويج وألاسكا وأيسلندا وتشيلى وجزر الفارو وغيرها من الأماكن، ويقضى الساعات والأسابيع على «جوجل إيرث» محاولًا العثور على أى بقعة نائية على شاطئ أو شعب يمكنه الوصول إليها.

يستخدم وسائل نقل عجيبة للوصول لهذه المناطق النائية، وتعرض كثيرًا لخطر الموت على يد الدببة أو الذئاب أو الموت غرقًا فى المياه المتجمدة، لكنه نجا بفضل معاونة أصدقائه الذين يشاركونه روح المغامرة.

وقد تعلم من مغامراته فى المناطق الباردة أنه «فى الحياة لا توجد طريقة مختصرة للمتعة، فأى شىء ذو قيمة يتطلب المعاناة حتى ولو بشكل يسير».

هذه المعاناة، التى يراها قليلة، تجعل «كريس» يشعر بأنه فى كل صورة وفى كل مكان يصوره يترك فيه جزءًا من نفسه، مما يقوى عنده الشعور بالإنجاز الذى يبحث عنه ويضيف لعمله قيمة ومعنى بالنسبة له، ويجعله أكثر من مجرد محاولة ملء صفحات المجلات.

يعيش «بوركارد»، ٣٦ عامًا، الذى يعتبر من أهم مصورى الطبيعة فى العالم، فى كاليفورنيا مع زوجته وطفليه، وقدم للمكتبة العالمية العديد من كتب التصوير والكتب التى تسجل مغامراته اللا نهائية بحثًا عن قليل من المتعة.

يمكنكم الاطلاع على صوره وتجربته، واستلهام هذه الروح المغامرة بزيارة موقعه الرسمى، أو الدخول لصفحته على «فيسبوك»، ففى هذا العالم يوجد الكثير من مصادر الإلهام التى نحتاج لمعرفتها كى توقظ فينا الحياة.