رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الملاذ الآمن للمرأة المعنفة.. حكايات من مراكز استضافة «من لا مأوى لهن»

العنف
العنف

14 عامًا من العنف الزوجي عاشتهم أميمة «اسم مستعار»، إحدى قاطنات محافظة الغربية، قبل أن تقرر التوجه إلى أحد مراكز استضافة المرأة المعنفة؛ لتتغير حياتها تمامًا بعد ذلك، وتخوض تجربة عملية كانت ترغب في الحصول عليها منذ سنوات طوال.

تحملت السيدة الأربعينية ظلمًا كبيرًا طوال فترة زواجها، بداية من السب والقذف بأبشع الألفاظ، وصولًا إلى الضرب المبرح والاعتداء عليها من قبل زوجها بالآلات الحادة، ودائمًا ما كانت تلتزم الصمت حفاظًا على مصير أولادها الثلاث، وخوفًا على مستقبله من التشويه بعد الطلاق.

لم تتوقف معاناتها عند العنف الزوجي فقط، بل وصل الأمر لرفض ذويها فكرة الطلاق، وأجبروها على التنازل عن أولادها مقابل الطلاق، ومن ثم الانتقال للعيش معهم، لكنها رفضت ذلك بكل إصرار، وقررت في ذلك البحث عن ملاذ آمن يحتويها بعيدًا عن الأزمات الأسرية.

وفي عام 2017، لجأت السيدة لمركز استضافة المرأة المعنفة القريب منها بمحافظة الدقهلية، لكن زوجها كان يلاحقها دومًا ويهددها بأبشع الطرق، حتى انتقلت لمركز آخر بمدينة السادس من أكتوبر، وبالفعل استقرت هناك وتدربت على مهارات الحاسب الآلي، كونها تهوى منذ الصغر علوم الحاسب الآلي، ودائمًا ما كانت تريد العمل بهذا المجال.

تسعى أميمة حاليًا للحصول على فرصة عمل بعد خوض العديد من التدريبات، وحضور ورش عدة تحت إشراف المراكز التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، كما أنها ربحت قضية طلاقها وضمت أولادها مرة أخرى؛ لتستعيد ثقتها في نفسها، وتعود إلى منزل ذويها بعد قضاء نحو عامًا كاملًا داخل المركز.


مأوى المعنفات 

8 مراكز أطلقتهم وزارة التضامن الاجتماعي؛ لاستضافة المرأة المعنفة في مختلف محافظات الجمهورية حتى وقتنا هذا، بهدف توفير الملاذ الآمن لهن، وأيضًا استضافة أطفالهم من الإناث والذكور حتى سن الـ12 عامًا، ووفقًا لبيانات الوزارة، اتضح أن العنف الجسدى جاء فى مقدمة الشكاوى، ويليه العنف النفسي ثم الجنسي.

ويوجد 8 مراكز تابعة لوزارة التضامن بمحافظات (القاهرة، الجيزة، القليوبية، الدقهلية، الإسكندرية، الفيوم، بني سويف، المنيا)، ويتم الوصول إليهم عبر الاتصال بخطوط المساعدة لكل مركز، أو الخطوط الساخنة لوزارة التضامن، أو التوجه إلى أي من الجهات التالية (أقسام الشرطة،  المستشفيات، الوحدات الصحية، خط نجدة الطفل، المجلس القومي للمرأة، الجمعيات الأهلية والقيادات المجتمعية، النيابة العامة). 

ومن بين آلاف السيدات اللاتي احتمن بمراكز استضافة المرأة، كانت هالة «اسم مستعار»، إحدى قاطنات مدينة بنها بمحافظة القليوبية، تتردد على المركز التابع للمنطقة القاطنة بها من حين لآخر، بعد أن مكثت به أسبوع واحد فقط، حين تعرضت للاعتداء اللفظي من قبل زوجها بعد خلافات نُشبت بينهم.

ورغم أن زواجهما قد مر عليه أكثر من 23 عامًا، إلا أنها قررت التوجه إلى مركز خدمات المرأة المتكامل بالقليوبية لتروي مشكلتها، وهناك تم استقبالها بأفضل طريقة ممكنة، واستطاعت المشرفة على المركز امتصاص حالة الانهيار التي كانت تعاني منها.

لم تستطع الأم أن تجعل أطفالها يرافقوها أثناء فترة إقامتها بالمركز، كونهم تجاوزا سن الـ12، واكتفت فقط بالحصول على التوجيهات والإرشادات التي تساعدها على التخلص من أزماتها الأسرية، وأيضًا العقبات التي ستواجهها في حين اتخاذ أي قرار.

المركز الذي احتضن السيدة الأربعينية، كان يضم إخصائية اجتماعية ونفسية، ومسئول قانوني يتابع حالات الناجيات، بالإضافة إلى المشرفة الغذائية التي كانت تتولى أمور الطعام لجميع النزيلات، وأيضًا طبيبة تتابع الحالات الصحية للسيدات، وتقدم لهن العلاج اللازم.

منذ خضوع هالة للتوجيه والإرشاد داخل مركز استضافة المرأة، لم تتعرض لأي مشكلة مع زوجها، فقد تم تخصيص جلسة صلح بينهما بإشراف المسؤولين عن المركز بمحافظة القليوبية، وعادت حياتهما الأسرية إلى طبيعتها، وكُل ذلك تم في سرية تامة دون الإفصاح عن بيانات النزيلات أو المشكلات التي يتعرضن لها.
 

إنقاذ 4700 سيدة 

أكثر من 4700 حالة بين مقيمات ومترددات، استقبلتهن مراكز استضافة المرأة المعنفة في الآونة الأخيرة، ذلك ما أوضحته الدكتورة جاكلين ممدوح، مدير الإدارة العامة لشئون المرأة بوزارة التضامن الاجتماعي، خلال حديثه مع «الدستور».

وكان لمسلسل «فاتن أمل حربي» أثرًا كبيرًا في الإقبال الملحوظ على هذه المراكز من قبل السيدات المعنفات، وأشارت «ممدوح» إلى أن الإقامة وكافة الخدمات تقدم لهن بالمجان في حالة عدم وجود دخل، وفي حالة وجود دخل تقدم الخدمات بالمجان، والإقامة بأجر رمزي لا يتعدى ربع الدخل.

ولم تكتف مراكز الاستضافة باحتضان السيدات فقط، بل قدمت لهن كافة أنواع الدعم سواء كانت قانونية أو نفسية أو اجتماعية، ومن الجانب الاقتصادي، قالت «ممدوح» إنه يتم توفير ورش ودورات في مختلف المجالات، تساعدهن على تعلم حرف الجديدة والانخراط في سوق العمل. 

كما أن الفترة التي تستضيف فيها المراكز ضحايا العنف الأسري، بعد أول 3 أيام من توفير جميع المستندات المطلوبة، تبدأ من 6 أشهر للسيدة المقيمة، ويجوز مد هذه الفترة إلى 6 أشهر إضافية بعد عرض تفاصيل الحالة على اللجنة المحلية، أما في الحالات المتطلبة لأكثر من ذلك يتم عرض الأمر على اللجنة المركزية، وفقًا لحديث مدير الإدارة العامة لشئون المرأة بوزارة التضامن الاجتماعي.

ولا يقتصر دورهم على استضافة وتمكنيها اقتصاديًا ونفسيًا فقط، بل هناك أشخاص مسؤولين عن عقد جلسات الصلح والدعم النفسي بين السيدة وذويها للإصلاح بينهم، وغالبًا ما تؤدي هذه الآليات إلى حل المشكلة بصورة نهائية.

هناك معايير لازمة يجب توفيرها قبل الانتقال إلى مراكز الاستضافة، وهي مستند إثبات الشخصية، وعدد 2 صور شخصية، وصورة من مستند الحالة الاجتماعية، ومفردات مرتب شهري إذ كانت عاملة، وأيضًا شهادة صحية، والتوقيع على كشف العهد المسلمة إليها والالتزام بردها عند مغادرة المركز، وفقًا لحديث الدكتورة جاكلين ممدوح، مدير الإدارة العامة لشئون المرأة بوزارة التضامن الاجتماعي.