رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الإدارة الاجتماعية للأزمة الاقتصادية

 

فيما مضى، وربما حتى قبل أربعة عقود مضت لم يكن أى شخص بحاجة إلى الانشغال بالشأن العام لكى يدير حياته، ويكفيه فقط همومه الشخصية والعائلية وعليه أن يدبرها بنفسه. وكان من المنطقى فى عقود سابقة أن يصبح الانشغال بالشأن العام مقصورًا على فئات مُحدَّدة، ويُنظَر إليه لدى عموم الناس باعتباره إمَّا مَضْيَعة للوقت، أو نوعًا من الرفاهية، أو دفاعًا عن مصالح شخصية ونخبوية وعائلية أو طبقية بعيدة المدى.

الآن عالمنا تغير، ولم يعد كما كان عليه الحال فيما مضى، وانتهى زمن الاستقرار فى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ بما يُمكِّن كلَّ شخص وأسرة من القدرة على تدبير الأحوال والتخطيط الجيد للمستقبل المعيشى لفترات طويلة دون عقبات. ولم تعد حياتنا الشخصية بمعزل عن حياتنا كمجتمع كبير، ولم يعد أمننا الاجتماعى والاقتصادى والسياسى بمعزل عن أمن أوطاننا، ولا بمنأى عمَّا يحدث من تغيرات إقليمية ودولية متسارعة حولنا، فيما أصبح يُعرَف بتوابع العولمة. وانتهى ذلك الزمن الذى كان فيه الفرد مشغولًا بحياته الشخصية أو العائلية باعتبارها جزيرة آمنة ومنعزلة عن محيطها الاجتماعى والاقتصادى والسياسى. وأصبحنا لأول مرة منذ عقدين من الزمن تقريبًا نعيش واقعًا مختلفًا عمَّا كان يعيشه الآباء والأجداد، حيث لم تعد حياتنا الشخصية والعائلية بمنأى عن أى أخطار أو تحديات تُواجِه سياستنا الاقتصادية، سواء فى الداخل أو الخارج. وإذا خلونا إلى نومنا فى نهاية رحلة شقائنا اليومى لا ندرى ماذا نكسب غدًا ولا كيف نعيش بأى ثمن.

ومنذ تفاقم الأزمة الاقتصادية الراهنة يُواجِه كثير من الناس حالة من عدم اليقين: فمن كان يُخطِّط للزواج من الشباب بادخار بعض الأموال من عمله فُوجِئ بموجات عاتية من التضخم باعدت المسافة بينه وبين حلمه الشخصى إلى أجل غير مُسمَّى، ومن كان يُخطِّط لزواج أحد أبنائه وجد الأسعار فجأة تتضاعف أمامه بما يثقل كثيرًا على كاهله، ومن كان يبدأ مشروعًا خاصًا جديدًا فى عمله أملًا فى حلم الاستقرار والاعتماد على الذات والاستقلال عن الأهل استيقظ على انخفاض مُفاجِئ فى سعر العملة بما يضاعف من التحديات والمخاطر فى طريقه، وحتى رجال الأعمال بمختلف شرائحهم يُواجِهون تحديات كبيرة فى الاستمرار فى مشروعاتهم بسبب ارتفاع تكاليف فى التشغيل جديدة لم تكن فى حسبانهم، وأصبحوا يُواجِهون شبح الخروج من قطاع الأعمال. ويظل كثير من الناس فى حيرة من أمرهم ما بين الإفراط فى الشراء خوفًا من تصاعد الأسعار، وعدم القدرة على اتخاذ قرارات صحيحة بشأن الادخار أو الاستثمار.

وهكذا أصبح الرأى العام أكثر انشغالًا بتفسير العلاقة الجوهرية بين ضعف قدرته الشرائية وضعف قوة الاقتصاد المحلى، حيث لم يعد أمانه واستقراره الشخصى والعائلى بمعزل عن استقرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية العامة وازدهارها. وأصبح بسطاء الناس ولأول مرة يفهمون أن انخفاض قيمة الجنيه أمام العُمْلات الأجنبية يُلْحِق الضرر بالمجتمع وبالحياة الشخصية والعائلية أيضًا. وهذا ينطبق على الجميع بمن فيهم الفقراء الذين لم تلمس أيديهم يومًا عُمْلَة أجنبية. كما يدرك كثير من الناس بوضوح أن ثمة علاقة بين جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التى صاحبتها بسبب الإغلاق والركود الاقتصادى، ويُردِّد كثير من الناس الآن أن الحرب فى أوكرانيا لها تداعيات سلبية على معيشتنا. وهذا يعنى أن الانشغال بالشأن العام، ولو من الناحية الاقتصادية فحسب، أصبح جزءًا لا يتجزأ من الانشغال بالهموم الحياتية الشخصية والعائلية.

فى مثل هذه الظروف يُلاحَظ أن كثيرًا من الناس على وعى بوجود الأزمة الاقتصادية وتأثيرها المباشر على حياتهم ولكنهم غير مُهيَّئِين للتعامل معها بموجب كونهم لا يدركون الإجابة عن ثلاثة أسئلة مهمة: [١] ما طبيعة وحدود الأزمة؟ هل بسيطة قصيرة الأجل، أم كبيرة وبعيدة المدى فى التأثير؟ [٢] كيف حدثت وما عواملها؟ [٣] كيف يمكن تجاوزها وتجنب تكرار حدوثها مستقبلاً؟ هذه الأسئلة الثلاثة تحتاج إلى الإجابة ليس فيما يَخُص ما تفعله الحكومة وما ينبغى لها أن تفعله، فهذا شأن الحكومة ولا دخل للمواطن البسيط فيها إلا فى إطار طمأنة الرأى العام بالحقيقة، ولكى تُحافِظ الحكومة على شرعيتها وثقة المجتمع فى سياساتها. وما أقصده هو أن يُجاب على تلك الأسئلة فيما سوف ينعكس إيجابًا على حياة كل مواطن باعتباره شريكًا فى المكاسب والخسائر، حيث يحتاج المواطن فى ظل الأزمة أن يعرف حدودها ومسئوليته نحوها، وكيف يعيد حساباته، وترتيب حياته اليومية، وأولوياته، وخُطَطِه المُستقبلية، القريبة والبعيدة، بما يجعله يتفادى الآثار السلبية والمخاطر الشديدة على مستوى معيشته واستقراره.

لا يكفى للحكومة أن تعمل ليل نهار وبجدية على الإدارة الاقتصادية للأزمة من منطلق كون الحكومة تعمل نيابة عن المجتمع، وأنها أدرى بشئون الناس أكثر منهم، بل ينبغى عليها أن تُهيِّئ المجتمع للأزمة، باعتبار ذلك حقًا أصيلًا من الحقوق الإنسانية الاجتماعية والاقتصادية، وجزءًا لا يتجزأ من الممارسة الديمقراطية التى تجعل المجتمع شريكًا مُهمًا فى مواجهة الأزمات والمخاطر الاجتماعية. هذا يندرج تحت ما يُسمَّى فى العلوم الاجتماعية بالإدارة الاجتماعية للأزمات من خلال تعزيز المرونة الاجتماعية social resilience ويُقصَد بها دعم قدرات جميع الفئات الاجتماعية على استيعاب أى أزمات أو تهديدات مُجتمعية، بما يُمكِّنها من تحملها والتعامل معها بكفاءة والتكيف معها، وهذا يتطلب خلق مجتمع مرن من خلال مساعدة الناس على بناء ثلاثة أنواع من القدرات لديهم: الأولى تتعلق بكيفية الاستجابة الإيجابية للأزمة من منطلق استيعابها الجيد وفى الطريق الصحيح. القدرة الثانية تكيفية فى الأجلين القريب والبعيد بما يُمكِّن الناس من التغير التدريجى وتأمين الوضع الراهن لاحتياجاتهم اليومية فى مواجهة المخاطر المستقبلية بما يتجاوب مع السياسات الاقتصادية. وهنا ينبغى أن يتعلم الناس أى تدابير استباقية وقائية تساعد على تفادى تفاقم الأزمة الاقتصادية على حياتهم ومستقبلهم. القدرة الثالثة تشاركية وتتمثل فى تعبئة الإمكانات المجتمعية المتاحة ضمن شبكات وروابط تضامنية مجتمعية، وهذا يقتضى تدابير للمجتمع المدنى فعَّالة فى مواجهة الأزمة وإعطاء المجتمع المدنى مساحة كبيرة للقيام بمسئوليته فى هذا المجال، وأن يتم ذلك فى صورة حوافز تُقدَّم للمجتمع المدنى نظير ابتكار وسائل فعَّالة فى تعزيز القدرة التشاركية فى إدارة الازمة. 

هذا النوع من السياسات الاجتماعية مهم للغاية وتقع مسئوليته على الحكومة بمساعدة خبراء فى العلوم الاجتماعية، وبالأخص علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية وعلم النفس والاقتصاد وعلم السياسة، أولئك الذين يتعيَّن عليهم القيام بمسئوليتهم فى تقديم حلول مبتكرة تُساعِد الحكومة والمجتمع، فى الوقت ذاته، على عبور الأزمة الاقتصادية بسلام من واقع نتائج دراسات علمية واستخلاص دروس مستفادة من أزمات سابقة وتجارب دول مختلفة. وهذا يقتضى تجاوز الحملات الإعلامية الفجة والمباشرة باللجوء إلى وسائل تنموية مبتكرة فى مجال التوعية الاجتماعية، بما يسهم فى تمكين الناس من المشاركة فى تحمل المسئولية. والمهم أن تكون تلك الإسهامات قادرة على الوصول إلى الناس بلغة واضحة ومباشرة وبسيطة ودقيقة، وبعيدة عن التضليل أو الوعظ والإرشاد.