رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الطائفية وتوظيف التاريخ «١- ٢»

 

حين بدأت دراستى للدكتوراه حول «الأقباط فى العصر العثمانى»، لفت نظرى بشدة اعتماد الكثير من المراجع على دراسة جاك تاجر «أقباط ومسلمون»، وبحثت كثيرًا عن هذا الكتاب، وبعد جهد وجدت نسخة مصورة منه لدى الصديق العزيز عماد أبوغازى، الذى أخبرنى بأنه سمع أن هذا الكتاب أثار ضجة كبيرة عند صدور طبعته الوحيدة باللغة العربية فى عام ١٩٥١، وبالتالى لم تُعد طباعته بعد ذلك، وأصبح من الكتب النادرة التى يصعب الوصول إليها.

وبدأت بعد ذلك فى تصفح الكتاب بشغف، ووجدته مهمًا ومثيرًا فى الوقت نفسه، وسر أهميته ينبع أساسًا من موضوعه «أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى إلى عام ١٩٢٢»؛ إذ يتناول مسألة «الوحدة الوطنية» أو «الفتنة الطائفية». وهى مصطلحات مُحمّلة بقدر كبير من الأيديولوجية؛ إذ لو اخترنا مصطلح «الوحدة الوطنية» لبحثنا عن الصور «المشرقة» فى تاريخنا وأبرزناها، وتجاوزنا عن فترات وأحداث أخرى لم تكن الصورة فيها «مشرقة»، تحت زعم «ترسيخ» الوحدة الوطنية.

وينطبق نفس المفهوم على مصطلح «الفتنة الطائفية»، فمنذ البداية يبرز دور العامل الدينى فى تفسير التاريخ باختيار مصطلح «الفتنة»، وهو اختيار دينى بالأساس، وواضح تداعيات هذا المصطلح فى تاريخنا العربى، ويزداد الطين بلة بإضافة مصطلح «طائفى» و«الطائفية»، وتداعيات هذا المصطلح فيما يتعلق بترسيخ حالة «التمايز الدينى» وعدم القدرة على الوصول إلى حالة «المواطنة».

وأولى المشكلات وراء الضجة حول الكتاب تنبع من شخصية المؤلف ذاته؛ إذ إنه ليس بمصرى، ولا مسلم، ولا قبطى، بل لبنانى كان يعمل فى مكتبة القصر الملكى، إذن كيف يتعرض إلى قضية حساسة مثل العلاقة بين «عنصرى الأمة» وفقًا لتعبيرات العصر آنذاك؟!

وقد أدرك المؤلف هذه المشكلة مبكرًا، وذكر فى مقدمة كتابه أن دافعه للكتابة هو سرد الأحداث بعين المؤرخ لا برؤية القاضى الذى يحكم بين طرفين، وأنه يتفهم ما قد يثيره كتابه من تعليقات، وأنه على استعداد لتقبل النقد، والرؤية المغايرة لما يقدمه، ولكن كل ذلك لم يشفع فى تجنيبه العاصفة التى صاحبت نشر الكتاب.

وفى البداية لا بد من تَفَهُم السياق التاريخى المصاحب لظهور الكتاب؛ إذ صدر هذا الكتاب فى عام ١٩٥١، وكانت الأوضاع العامة فى مصر غير مستقرة، حيث ألغى مصطفى النحاس معاهدة ١٩٣٦ التى عقدها سابقًا بين مصر وإنجلترا، وصاحب ذلك إعلان الكفاح المسلح ضد الوجود البريطانى فى منطقة قناة السويس، كما شهدت هذه الفترة ازدياد صعود نجم الإخوان المسلمين كجماعة رفض للنظام السياسى بأكمله. وصاحب ذلك علو المد الدينى بشكل عام، وبروز حالة من التمايز الدينى، أدت إلى توجس الأقباط وازدياد التصاقهم بالكنيسة.

كذلك وقعت بعض الأعمال العدائية ضد كنيسة قبطية فى مدينة السويس فى ٤ يناير ١٩٥٢، قبيل عيد الميلاد المجيد فى ٧ يناير، وأدت هذه الأعمال إلى حرق الكنيسة، وترددت شائعات حول مقتل بعض الأقباط فى هذه الأحداث، وردت الكنيسة القبطية على ذلك بعقد المجلس الملى العام فى يوم ٦ يناير ١٩٥٢ وإعلان الحداد العام بسبب «الحوادث المحزنة المفجعة التى وقعت بمدينة السويس»، وبالتالى تم إلغاء الاحتفال بالأعياد.

فى هذه الأجواء المتوترة «سياسيًا» و«دينيًا» صدر هذا الكتاب، واعترضت جماعة الإخوان المسلمين بشدة عليه، وعلى ما جاء به، خاصة فيما يتعلق ببعض الانتقادات التى وجهها المؤلف لمفهوم السيادة الإسلامية وخاصة الجزء الذى عنونه بـ«اتجاه العرب إلى اتباع سياسة استعمارية»؛ إذ اعترض المرشد العام للإخوان حسن الهضيبى على ما جاء فيه، لكنه لم يطالب بمنع الكتاب، بل لجأ إلى الشيخ الغزالى، وطلب منه تأليف كتاب ليرد عليه، دون ذكر اسم جاك تاجر. 

هكذا صاحبت الكتاب منذ صدوره ضجة هائلة ذات طابع دينى بالأساس، ولم يهتم هؤلاء بالرؤية التاريخية المختلفة التى يقدمها.