الثلاثاء 07 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

شبح ماركس

مرة، علاء مبارك نشر حاجة تخص علاج والدته بره مصر، مش فاكر إذا كان ساعتها له شكوى ما أو كان بس بـ ينقل أخبارها، المهم دلوقتي بـ النسبة لي إنه كان فيه تعليقات كتير تدور في فلك واحد، وهو:

أبوك ما عملش مستشفيات نضيفة في مصر، وشوف دلوقتي والدتك محتاجة العلاج بره؟

المنطق دا اتكرر في أكتر من مناسبة، واتقال بـ عشرميت صيغة، عن أكتر من مسئول، ودي من الحاجات الكتير المدهشات جدًا بـ النسبة لي في منطق الناس وطريقة تفكيرها.

يا صديقي العزيز، دلوقتي إيه المطلوب من المسئول، أي مسئول في الدولة رئيس، وزير، غفير؟ مطلوب منه إيه؟ الإجابة: القيام بـ دوره المحدد حتى تؤدي الدولة واجباتها تجاه مواطنيها، صح كدا؟

طيب، إيه دور الدولة تجاه مواطنيها؟ الإجابة: تنظيم العلاقات بين المواطنين وبعض، بين المؤسسات وبعض (عامة وخاصة)، بين المواطنين والمؤسسات، بـ حيث تسير الحياة في أفضل صورة ممكنة.

خلينا ناخد مثال وليكن المواصلات: كل مواطن مننا بـ يروح شغله، بـ ييجي من شغله، بـ يقضي مشاويره، فـ يلزمه "مركبة" لـ التنقل. المركبة دي ممكن تكون أتوبيس 214 مناشي/ تحرير، وممكن تكون رولز رويس آخر موديل (وسواق يفتح الباب ويشيل الشنطة) صح؟

هل دور الدولة هي توفير رولز رويس وسواق لـ كل مواطن؟ أكيد لأ، هـ تجيب منين 100 مليون سواق لـ 100 مليون مواطن؟

أومال إيه دورها؟ هي ليها دور مركّب هنا، له تلات جوانب مبدئية: الأول، إنها تنظم العلاقات بـ حيث كل مواطن يعيش (في حدود إمكانياته) بـ أفضل صورة ممكنة.

فيه مواصلات عامة (زي المترو مثلًا) دور الدولة هنا إيه؟ إنه المواصلات العامة تتوفر بـ أعلى كثافة "ممكنة"، وأقل تكلفة "ممكنة"، وأعلى جودة "ممكنة"، وفيه طرق لـ قياس الكثافة/ الجودة/ التكلفة.

فيه كمان مواصلات هي خاصة من حيث الملكية، لكنها تقدم خدمتها لـ عموم الجمهور، زي الميكروباص والتاكسي وأوبر، هنا دور الدولة مختلف، لـ إنه مثلًا مش مطلوب إنها توفر هذه المواصلات، لكنها مسئولة عن "الضبط"، فـ تسعى جاهدة إنها تخفف الضغوط عن مالك المركبة، عشان تساعده يقدم أفضل خدمة، ثم تراقب مالك المركبة دا عشان يخفف الضغط على المواطنين.

تمام!

فيه مواصلات خاصة لـ مالكيها زي العربية، اللي ممكن تكون 128، وممكن تكون بي إم، وممكن يقودها مالكها، أو يوظف حد يقودها له.

إيه دور الدولة هنا؟ إنها تتأكد من إجادته لـ القيادة لو هـ يقودها بـ نفسه، أو من الالتزام المتبادل بينه وبين المواطن اللي هـ يوظفه لـ قيادتها.

ثم إنه الجميع من أقل مركبة لـ أعلاها (عامة كانت أو خاصة) عايزين طرق، والطرق دي ليها مواصفات تحدد جودتها، وقواعد لـ السير فيها، ووسائل لـ الرقابة عليها.

يعني، دي طبعًا مش كل حاجة بـ التفصيل، إنما دا الإطار العام لـ المنطق. 

كل دا أولًا، وأولًا دا ممكن تسأل فيه وزير النقل والمواصلات، ودا نطاق اختصاصه.

ثانيًا، الدولة ليها دور في التأكد من إنه كل مواطن امتلك الوسيلة المناسبة له بـ صورة مشروعة، والتزم بـ واجباته تجاهها، يعني اللي جايب عربية بـ مليون جنيه، لازم الدولة تتأكد إنه المليون جنيه دول جم بـ طريقة "مشروعة": مش سرقة/ مش رشوة/ مش غسيل أموال مش مش مش مش، ودا لا يسأل عنه وزير النقل إنما وزارة الداخلية (اللي ممكن تستعين بـ وزارات أخرى وممكن لأ).

ثالثًا، فيه دور لـ الدولة أبعد وأعمق شوية، يتعلق بـ رسم السياسات الاقتصادية العامة، اللي من شأنها إنها تخلق أكبر كم من الفرص لـ كل مواطن سواء في إيجاد الأساسيات أو في الترقي الاجتماعي، ودا يستلزم "التوازن" وإنه قراراتها ما تكونش لـ صالح فئة على حساب فئة، ولا طبقة على حساب طبقة، ودي طبعًا طبعًا طبعًا مش مهمة وزير النقل، ولا حتى وزارة بـ عينها.

حيلو كدا!

لو افترضنا جدلًا إنه كل المسئولين عن الدولة نفذوا هذه الأدوار بـ الحد الأقصى من الكفاءة والنزاهة، هل هـ نوصل إنه كل الناس يعيشوا في نفس المستوى، أو حتى يبقوا متقاربين؟ هل تستطيع الدولة منع التفاوت الكبير بين المواطنين في الإمكانيات؟

الإجابة: لأ، ما تقدرش، ومش دورها، وما حصلش، ومش هـ يحصل طول ما فيه دولة (أي دولة في العالم) عشان كدا الأستاذ كارل ماركس والفكرة الشيوعية كما أفهمها تتضمن بادئ ذي بدء فناء الدولة من بابها، وديكتاتورية البروليتارية، لـ إنه من غير فناء الدولة مفيش مجتمع "متساوي".

مش بس فناء دولة بـ عينها مع بقاء الدول الأخرى دا لازم فناء كل دول العالم، م الآخر، تفكيك الكوكب كله وإعادة بنائه.

حلم قد يكون جميل (وربما لأ) لكن ربنا يوفق اللي بـ يحلموه، لكن لـ حد ما يتحقق، وطول ما فيه دول، ودولتك واحدة منها، فـ لا سبيل لـ منع التفاوت الرهيب بين المواطنين، دي طبيعة الاقتصاد نفسه.

طيب، لما تيجي تحاسب مسئول في الدولة، ما ينفعش خالص، تبص لـ حياته هو الشخصية (عند مناقشة دوره كـ مسئول).

يعني، وزير النقل لو قدر يوفر باصات مجانية، من كل حتة لـ كل حتة، وهي مش بس مجانية، دي كمان شرحة وبرحة، وهـ تلاقي كرسي نضيف ومريح مش هـ تضطر تفعص اللي جنبك، ولا اللي جنبك يفعص فيك، أظن دا هـ يكون وزير خارق، مش كويس، لأ، دا سوبر سوبر هيرو، صح؟

لكن هو شخصيًا، لو فرضنا إنه عنده بي إم دبليو امتلكها بـ طريقة "مشروعة"، هل ينفع ساعتها تسأله: إنت ليه مش بـ تركب الباصات العامة؟

لأ، أكيد لأ، لـ إنه الخدمة فوق الممتازة اللي هو نجح في تقديمها، أقل مما يريحه هو شخصيًا بـ كتير.

طيب افرض لا سمح الله هو امتلك البي إم بـ طريقة غير مشروعة؟ يبقى سؤاله عنها هنا مش بـ اعتباره وزير النقل، إنما بـ اعتباره "مواطن مصري".

فـ حسني مبارك (أو غير حسني مبارك) مش مسئول عن توفير مستشفيات حكومية تقدم أعلى جودة في العالم من كل النواحي: الفحص والتشخيص والعلاج ومستوى الإقامة الفندقية وخلافه، لكنه مسئول عن مستوى الجودة اللي قدمها بـ الفعل لو هي أقل من المستوى "الممكن" توفيره.

فـ لما هو يحب يتعالج، وعايز أفضل خدمة في العالم، ويمتلك مقابلها بـ صورة مشروعة، دا لا يعني فشله في ملف الصحة.

ولو هو يمتلك مقابلها، بـ صورة غير مشروعة برضه لا يعني فشله في ملف الصحة، لكن يعني إنه، كـ شخص، "حرامي".

أكيد كل الكلام اللي رغيته دا لا يتضمن تقييمي الشخصي لـ أي مسئول (سابق أو حالي) إنما عن "منطق" حساب المسئولين.

إنت بـ تحاسبه على إيه؟ في ملف إيه؟ وعلى أي أسس؟ لـ إنه تحويل كل حاجة في الدنيا إلى معركة الطيبين في مواجهة الشريرين، دا بـ الكاد يليق بـ أفلام الكارتون، اللي الحمد لله عمري ما اتفرجت عليها، حتى لما كنت طفل!