رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

فى ذكرى سعد والنحاس

 

مرت بنا هذا الأسبوع ذكرى وفاة «سعد والنحاس»، ونقصد سعد زغلول ومصطفى النحاس، وهما بحق زعيما الأمة المصرية فى النصف الأول من القرن العشرين، والغريب أنهما كما توحدا على قيادة الحركة الوطنية المصرية، كانت وفاتهما فى يوم ٢٣ أغسطس! لكن كانت وفاة سعد فى عام ١٩٢٧، ووفاة النحاس فى عام ١٩٦٥.

ومن الكتب المهمة الصادرة مؤخرًا فى هذا الشأن كتاب «١٩١٩: حكايات الثورة والثوَّار» للمؤرخ الكبير عماد أبوغازى، ويوضح هذا الكتاب جليًا أن ثورة ١٩١٩، ورغم مرور أكثر من مائة عام عليها، ما زالت حية فى الذاكرة الوطنية المصرية.

يلفت الكتاب الانتباه إلى أن زعامة سعد زغلول ثورة ١٩١٩ لم تأتِ من فراغ، ولم يكن سعد مجرد سياسى ركب الموجة الثورية؛ إذ يرصد أبوغازى الدور الوطنى لسعد زغلول مع تصاعد الثورة العرابية، والعلاقة الوثيقة التى ربطت بين سعد وأستاذه الإمام محمد عبده منذ عام ١٨٨٠، وعمله معه فى تحرير «الوقائع المصرية»، وارتباط سعد بالسيد جمال الدين الأفغانى وأفكاره الثورية آنذاك، وترتب على ذلك فصل سعد من وظيفته لاتهامه بالانتماء إلى الثورة، والأكثر من ذلك قامت سلطات الاحتلال الإنجليزى باعتقاله مع آخرين بتهمة تشكيل جمعية سرية باسم جماعة الانتقام.

وبعد الإفراج عنه انخرط سعد فى العمل العام، وتولى العديد من المناصب الوزارية، لكن أحب منصب لديه- قبل ثورة ١٩- كان توليه منصب الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية، برلمان ذلك الزمن. من هنا نستطيع تفهم أن الدور التاريخى لسعد زغلول فى زعامة ثورة ١٩ لم يأتِ من فراغ، وأن نفى الاحتلال الإنجليزى لسعد ورفاقه إلى مالطة، عقابًا لهم على مطالبة بريطانيا برفع الحماية والاعتراف باستقلال مصر، هذا النفى الذى وحد الأمة المصرية على الثورة التى تفجرت فى ٩ مارس ١٩١٩، ليصبح زعيمًا لمصر وقائدًا لثورتها.

يوضح لنا الكتاب كيف أطلق الشباب الوطنى على منزل سعد زغلول «بيت الأمة» تأكيدًا على زعامة سعد، وكيف أصبحت السيدة صفية زغلول زوجته «أم المصريين»، لدورها المهم وكأنها إيزيس المصرية، ولذلك عندما توفى سعد سيتم دفنه فيما عُرف بـ«ضريح سعد»، هذا الضريح الذى بُنِى على شكل المعبد الفرعونى تأكيدًا على القومية المصرية.

أما مصطفى النحاس، فهو بحق الابن الروحى لسعد زغلول، مع العلم بأن سعد لم يُنجب أولادًا، ولكن كان كل شباب الثورة- وعلى رأسهم النحاس- هم أبناء سعد. 

وتولى النحاس زعامة حزب الوفد بعد وفاة سعد حتى عام ١٩٥٢، والحديث عن النحاس يطول؛ هل نتحدث عن دوره فى ثورة ١٩، أم نتحدث عن قيادته لحزب الوفد، وعبوره الأزمات السياسية المتتالية نتيجة تدخلات القصر، ودور أحزاب الأقلية، ومواقف الإنجليز؟ هل نتحدث عن معاهدة ١٩٣٦ التى كانت- كما وصفها طه حسين- خطوة كبيرة على طريق الاستقلال، أم نتحدث عن وطنية النحاس عندما قام فى عام ١٩٥١ بإعلان إلغاء معاهدة ٣٦، نتيجة رفض بريطانيا الجلاء التام عن مصر، واستجابة لحركة الكفاح المسلح ضد الوجود البريطانى فى قاعدة قناة السويس؟ هل نتذكر مقولته الشهيرة عند إلغاء المعاهدة: «من أجل مصر أبرمت المعاهدة، واليوم من أجل مصر أُعلِن إلغاء المعاهدة»؟.

لذلك خرجت جموع الشعب المصرى وراء جنازة النحاس فى يوم ٢٣ أغسطس ١٩٦٥، على الرغم من تغير النظام السياسى، لكنها الأمة التى لا تنسى تاريخها، تحية لسعد والنحاس فى ذكراهما.