رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

تاريخنا وأسماء الشوارع

 

مرّ بنا فى المقال السابق بعض الملاحظات على أسماء الشوارع وتغير المسميات مع تغير الأنظمة السياسية، وبقاء المسميات القديمة عالقة غالبًا فى أذهان الناس. وكمؤرخ معنى بتاريخ القاهرة، أحتار كثيرًا فى الإجابة عن هذا السؤال: مَنْ الذى اختار أسماء شوارع القاهرة؟! بالقطع عرفت أن هناك لجنة تابعة لمحافظة القاهرة تقوم بالموافقة على إطلاق الأسماء على الشوارع، وربما تغييرها، لكنى أتحدث هنا عن عملية إطلاق الأسماء على شوارع القاهرة فى القرن العشرين، وربما العشوائية- وأحيانًا الانتقائية- التى صاحبت هذا الأمر.

ومرة أخرى، وكمؤرخ، استلفت انتباهى إطلاق أسماء بعض مؤرخى العصر الإسلامى على شوارع القاهرة مثل: ابن تغرى بردى، ابن إياس، ابن فضل الله العمرى، المقريزى وغيرهم، وبالقطع من المفترض أن أكون سعيدًا بهذا الأمر، فأنا فى الأول والآخر مؤرخ، لكن الملاحظ أن عملية إطلاق أسماء المؤرخين على بعض شوارع القاهرة اتسمت بشكل كبير بالتحيز للعصر الإسلامى، والمؤرخين المسلمين، على حساب بقية مؤرخى العصور المختلفة لتاريخ مصر، فلم أسمع على سبيل المثال عن شارع باسم أهم مؤرخى مصر القديمة «الفرعونية» مانيتون صاحب الحوليات الشهيرة، ولا أعتقد أن هناك شارعًا يحمل اسم المؤرخ ساويرس بن المقفع، صاحب أهم كتاب فى تاريخ مصر «القبطية»، وأعنى «تاريخ البطاركة»، وهنا نَشْتَم شُبهة تحيز للعصر الإسلامى على حساب بقية العصور، رغم أنها جميعًا تمثل حقبًا لتاريخ مصر والمصريين.. وربما يدعم مسألة الانحياز للعصر الإسلامى أنه وبعد ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وعملية تغيير أسماء الشوارع التى تحمل أسماء أسرة محمد على، تم على سبيل المثال تغيير شارع طوسون فى شبرا إلى شارع ابن فضل الله العمرى.. والأمير طوسون هو أحد أمراء الأسرة المالكة، وكان قصره يقع فى نهاية هذا الشارع، وتحول القصر إلى مدرسة شبرا الثانوية أثناء العصر الملكى، والمثير فى الأمر أن الناس حتى الآن ما زالوا يرددون اسم «شارع طوسون» رغم أن الاسم الرسمى أصبح ابن فضل الله العمرى، وربما يرجع ذلك إلى تأثير التاريخ ووجود القصر، أو حتى ببساطة شديدة لسهولة نطق الاسم. وهذا يدحض فكرة عدم إطلاق أسماء مصرية قديمة أو قبطية على الشوارع لصعوبة نطق الأسماء فى العربية؛ إذ أعتقد شخصيًا أن اسم «مانيتون» المؤرخ المصرى القديم أسهل فى النطق والحفظ من ابن تغرى بردى!

وسيرًا على الدرب نفسه، استلفت انتباهى إطلاق أسماء إسلامية على منطقة الزمالك، التى هى فى الأصل حى الأجانب والأرستقراطية المصرية، ومن أهم أمثلة هذه الظاهرة ما يُعرف بالمنطقة الأيوبية فى الزمالك، مثل شوارع شجرة الدر والصالح نجم الدين أيوب وغيرهما، هنا نحن أيضًا أمام ظاهرة التحيز للعصر الإسلامى على حساب بقية العصور.. ويثير دهشتى أن حيًّا مثل الزمالك لم يعرف منطقة فرعونية على غرار المنطقة الأيوبية التى تحدثنا عنها من قبل، وهذا يدفعنى إلى طرح السؤال: لماذا لم نُطلِق أسماء مصرية قديمة «فرعونية» على بعض شوارع حى الزمالك مثلًا، بل وعلى شوارع القاهرة كلها؟ هل الحجة صعوبة نطق الأسماء؟ لا أعتقد ذلك، فإن أسماء مثل الملك أحمس قاهر الهكسوس، أو الملك مينا موحِد القطرين ومُنشئ الدولة المركزية فى مصر، أو الملك تحتمس الثالث مؤسس الإمبراطورية المصرية الكبرى فى إفريقيا وآسيا، أو الملكة الجميلة نفرتيتى، أو الملكة القوية حتشبسوت، لا أعتقد أنها أصعب فى النطق من اسم مثل قراقوش الذى أُطلِق اسمه على شارع مهم فى المنطقة الأيوبية فى الزمالك!

ترتب على هذا الأمر مشكلة خطيرة فى الذاكرة الجماعية المصرية، أننا أصبحنا لا نُطلِق أسماء مصرية قديمة على أولادنا، لقد أصبح اسم مثل «مينا» هو اسم دينى قبطى- مع احترامنا لذلك- مع أنه اسم ملك مصرى قديم وحَّد مصر، لدرجة أنك لن تجد مسلمًا يسمى ابنه «مينا»! والغريب أننا لم نستثمر اسمًا مثل «إيزيس»، المعبودة المصرية القديمة التى عبدتها شعوب البحر المتوسط، أو «نفرتيتى»، أو حتى «كليوباترا» ونُطلقه على أىٍ من المدن الجديدة، بينما أطلقنا أسماء مثل ١٥ مايو والشروق وبدر على بعض هذه المدن!

هل نستحى من تاريخنا القديم؟!