رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 27 مايو 2020 الموافق 04 شوال 1441
د. منى حلمى
د. منى حلمى

برهانى الأعظم على أننى مستعصية على الفهم أخذل كل التوقعات والتنبؤات

الأحد 29/مارس/2020 - 08:09 م
طباعة


استهلكتك قبلى النساء، لم يبق منك شىء لألهث وراءه، لكننى أجد متعة غامضة فى التشبث بك، ذبلت كل ثمارك، جف ماؤك، لا شىء فيك يشبع من جوع أو يروى من ظمأ لكننى حول مدارك مسحورة أطوف.
تكرر على مسامعى: «أنت صغيرة جدًا وأنا لا يستهوينى إلا النساء المجربات»، ترى أهذه حجة جديدة تبرر بها غرابة وتناقض تصرفاتك معى»؟ أهى طريقة ملتوية لتعرف كم من الرجال أحببت قبلك؟.. أم هو أى كلام فى الهواء تقوله ولست تتوقع أن أحاسبك عليه؟
فى كل لقاء تقول لى: «ألا تعرفين أننى كاذب محترف، ممثل بارع لست أرى الحياة إلا لعبة لا تستحق إلا السخرية ولا تستحق إلا الغدر والالتواء، هذا أسلوبى فى الانتصار على العبث واللاجدوى».
وأنا فى كل لقاء أعطيك الرد نفسه: «أنا مثلك أدرك العبث الذى يحاصرنا دون هدنة، وكم يعذبنى مجيئى إلى الحياة دون استشارتى، لكننى لا أكذب، وليس من طباعى الغدر والالتواء، لا أريد أن يهزمنى العبث واللاجدوى، وأحقق هذا بالمزيد من الجدية وليس بالتمثيل».
فى آخر لقاء لنا قلت لى: «سأصارحك بالحقيقة، أنتِ كتاب مفتوح أعرف كل شىء عنكِ حتى أدق مشاعرك، وأستطيع أيضًا التنبؤ بكل تصرفاتك بينما أنا أحب المرأة الغامضة، المتقلبة، التى تتحدى عقلى وذكائى وتربك توقعاتى وتكذب إدراكى وتغضب كبريائى وترهق تفكيرى».
أهذا هو الأمر؟ يا لك من رجل مغرور، لم يعرفنى أحد من الرجال الذين أحببتهم، أعترف بأنك أكثرهم ذكاء، ولكن حين يأتى الأمر لقراءتى مثل كتاب مفتوح والتنبؤ بتصرفاتى، فإن الرجال سواء ويتساوى الأذكياء منهم والأغبياء.
لست كما تقول، كتابًا مفتوحًا سهل القراءة تقرؤه مرة وانتهى الأمر، لست نظرية منطقية لتفهمها، لست معادلة رياضية تحلها قائلًا: «وهو المطلوب إثباته» ولست قانونًا منضبطًا من قوانين الكون تستطيع التنبؤ به.
إننى أيها المغرور الإنسانة المستعصية على كل فهم، والمرأة التى تخذل كل تنبؤ، أنا السائرة وحدى ضد الطبيعة، ضد الكون وضد البشر، ضد الزمن، وضد نفسى أحيانًا.
أنا أكبر معربدة، وأعظم قديسة، الشرسة، المتنمّرة والوديعة، الهادئة، أنا الفوضى فى ذروتها وأنا التناغم الأقصى، أنا الزاهدة فى كل الأشياء وأنا نهم لا شىء يشبعه، أنا التى عاشت ألف عام، وأنا التى ما زالت فى رحم الضباب جنينًا.
نعم، أنا كما تقول فى غاية الوضوح، لكنه الوضوح غير الممكن دون اكتمال الغموض، قال لى أحدهم: «كونى أقل وضوحًا لأقترب قليلًا من فهمك.. هذا الوضوح رمال ناعمة تبتلعنى».
كيف لم تدرك أننى مثل الحياة على كل الناس تحت وهج الشمس ألقى بأسرارى، وليس لأحد أن يعرف سرًا واحدًا.
كانت أمسية رائعة الحنين بيننا، كل شىء حولنا يبدأ بطيئًا فى الانسجام، الضوء الخافت، الموسيقى الحالمة، وكأسان ممتلئتان بظمأ سنوات العمر.
اقتربت منى، أمسكت يدى منذ عرفتك وهى دائمة الارتعاش. قلت لى: «لا أستطيع التمادى معكِ، أتصور أى شىء إلا أن أخدعك، أو أستغل عواطفك السخية التى تحيطنى من كل جانب.
أنتِ تستحقين رجلًا أفضل، وعلاقة أكثر كرمًا، كنت أود أن أكون ذلك الرجل، لكننى مشغول بامرأة أخرى، استولت على قلبى منذ سنوات، امرأة واحدة تفتح عليها شبابى، وسعت إليها رجولتى المجهضة، أخذتها الأقدار بعيدًا، اختفت لا أدرى أين؟
ما زلت أحبها، ربما أنتظر عودتها، ربما تأتى وربما لا، لكنها امرأتى ولا امرأة سواها، يمكنها أن تحتل مكانها فى قلبى.. أرجوكِ صدقينى أنا قضية خاسرة، ورجل لا أمل فيه، وعلاقة محكوم عليها مسبقًا بالإعدام».
صدمنى اعترافك لكننى صدقتك وشعرت بأنك الليلة لا تراوغ ولا تختلق الحجج ولا تمثل دورًا مسرحيًا، كما عودتنى لسبب ما، لم يزعجنى أو يغضبنى كلامك على العكس، وجدتنى مصرة عليك أكثر من أى وقت مضى.
فى قلبك امرأة أخرى هى كما اعترفت حبك الأول والأخير، وليكن الأمر هكذا دعها فى قلبك إلى الأبد، وكن وفيًا لها حتى آخر العمر. فأنا لا أريد امتلاك قلبك ولا أتجرأ على محو ذكرياتك معها.
أنا أريدك أنت وأحتملك بنفس راضية لهو برهانى الأعظم، على أننى مستعصية على الفهم، أخذل التوقعات والتنبؤات، وأسبح وحدى ضد الدوامات والتيارات.
تسألنى: ماذا تنتظرين من علاقتنا؟ قلت: «لا أنتظر شيئًا.. الأمل بيننا كلمة لا معنى ولا أهمية لها».
«الأمل» كلمة بيننا لا نقر بها حتى بالخيال، «الأمل» إثم لا نتحمل اقترافه أو التكفير عنه، اليأس منك ومعك يجعلنى سعيدة، فرحة، طازجة، متوهجة، مكتفية، راضية.
دع «اليأس» يكون صديقنا الجميل الذى يجمعنا ويدعونا إلى أمسيات السهر على أنغامه نغنى ونرقص ونضحك على مصيرنا معًا.
كل ليلة أشرب «اليأس» من يديك، أفرط فى الشراب حتى أتوه عن نفسى وعن الدنيا، لكننى عنك لا أتوه.
ما أجمل «اليأس»، هو بيتى أرتاح فيه وبين طرقاته المتشابكة أتحرك بحرية وفى أمان، ما أجمل «اليأس» معك، هو أستاذى الذى أدبنى وهذبنى وأخذ بيدى إلى مشاعر منزهة عن كل غرض، مترفعة عن كل رغبة، حررنى من خيبات الأمل وإغراء التوقعات وغدر التمنى.