الأربعاء 01 أبريل 2020 الموافق 08 شعبان 1441
سيد عبدالقادر
سيد عبدالقادر

مزايدة جديدة على الأقصى

الإثنين 17/فبراير/2020 - 08:00 م
طباعة
الهتاف الذى أطلقه المعتمرون الأتراك فى الحرم المكى، منذ أيام قليلة، هو صورة جديدة للمتاجرة بقضية القدس والمسجد الأقصى على مدى أكثر من ٧٠ عامًا، فما الذى سيستفيده الأقصى بهتاف هؤلاء المعتمرين بين الصفا والمروة «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»،؟! لو كان هذا هو السبيل لتحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين لهتفنا معهم حتى بحّ صوتنا، ولكننا نعرف أنها مزايدة تركية جديدة، على العالم العربى عمومًا، وعلى المملكة العربية السعودية بوجه خاص، أى أنه هتاف لإثارة الفتنة واستغلال المشهد، باعتباره أحد مظاهر الدعاية الرخيصة لنظام أردوغان.
ألم يكن من الأولى أن يطلقوا هذا الهتاف أمام قصر الرئاسة التركية، التى تقيم فى عهد أردوغان أقوى علاقة مع دولة الاحتلال الإسرائيلى، فتركيا تُعد ثانى دولة بعد الولايات المتحدة تحتضن أكبر مصانع أسلحة للجيش الإسرائيلى، ولديها اتفاقيات عسكرية مع إسرائيل بدأت بـتحديث «F-٤» و«F-٥» بتكلفة ٩٠٠ مليون دولار، مرورًا بترقية إسرائيل لـ١٧٠ من دبابات «M٦٠A١» لتركيا مقابل ٥٠٠ مليون دولار، ووصولًا للاتفاق الذى يقضى بتبادل الطيارين العسكريين بين البلدين ٨ مرات فى السنة.
هل يعرف هؤلاء المعتمرون تفاصيل هذا التعاون العسكرى بين بلادهم ودولة الاحتلال؟ وهل يعلمون أن دولة الاحتلال تعتبر واحدة من أهم خمس أسواق تسوّق فيها تركيا بضائعها، حيث بلغت المبادلات التجارية بين البلدين فى عام ٢٠١٦ أكثر من ٤.٢ مليار دولار، وأنهما تطمحان لرفعها إلى ١٠ مليارات دولار فى عام ٢٠٢٢، وأن شركات الطيران التركية تعد أكبر ناقل جوى من وإلى دولة الاحتلال الإسرائيلى.
ما لا يعرفه أصحاب هذه الحناجر، التى أطلقت هتافات الفتنة فى الحرم المكى، أن تركيا أحد أهم الممولين والداعمين للانقسام الفلسطينى، باعتبارها الداعم الرئيسى لحماس فى غزة مع إيران وقطر، وهو الدعم الذى يزيد من تحديها السلطة الفلسطينية فى رام الله، وهو انقسام لا يستفيد منه أحد سوى إسرائيل.
والحقيقة أن تركيا ليست وحدها التى تاجرت بالقدس وبالمسجد الأقصى، فهى تتنافس مع دول أخرى كثيرة فى هذا وعلى رأسها إيران، التى خصص مرشدها الأعلى السابق الخمينى يومًا للقدس، فى يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان، تنظم فيه المظاهرات وترتفع الهتافات فى إيران والعديد من البلدان، مع أن الثابت أن إسرائيل باعت أسلحة لإيران خلال الحرب الإيرانية العراقية، أى فى عهد الخمينى، ولم يحدث أن دخلت إيران فى مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
والطريف أن الجنرال قاسم سليمانى، الذى اغتالته الولايات المتحدة مؤخرًا فى العراق، كان قائد ما يسمى بـ«فيلق القدس» فى الحرس الثورى الإيرانى، رغم أنه لم يطلق رصاصة واحدة لتحرير القدس أو الأقصى، لأنه كان مشغولًا بنشر النفوذ الإيرانى فى العراق وسوريا ولبنان واليمن وقطر، بكل السبل المشروعة وغير المشروعة.
وفى داخل العالم العربى أيضًا، هناك الكثيرون والكثيرون الذين رفعوا أعلام فلسطين وهتفوا للقدس وللأقصى، لكنهم لم يتحركوا خطوة واحدة تجاههما، ودائمًا تأتى حركات الإسلام السياسى على رأس المتاجرين بالقدس وبالأقصى، بداية مما عرف بتنظم داعش، ونهاية بالإخوان المسلمين وما يسمى بالجهاد الإسلامى، فكلهم يهتفون فى مختلف المناسبات «ع القدس رايحين شهداء بالملايين» خاصة منذ انطلاق موجة الربيع الأسود فى عالمنا العربى، لكن هؤلاء المتأسلمين أو المتاجرين بالإسلام لم يطلقوا منذ ٢٠١١ رصاصة أو حجرًا على دولة الاحتلال، بل انشغلوا بإنشاء دولة مزعومة لهم فى العراق والشام، وبإنشاء تنظيمات عسكرية لمحاربة وتحطيم الجيش العربى السورى، وتدمير سوريا وتهجير أهلها، والهجوم على الجيش المصرى فى سيناء والمنطقة الغربية، وكأن تحرير القدس والأقصى يبدأ بتدمير الجيشين المصرى والسورى، دون المساس بالجيش الإسرائيلى!.
ورغم أن الحقائق أصبحت واضحة وضوح الشمس، فما زال بعض المهرجين الذين يطلقون اللحى يعتقدون أن تدمير وتبديد ثروات ليبيا واليمن له الأولوية على تحرير القدس والأقصى.
لقد صُدم الملايين وهم يستمعون ويشاهدون مقطعًا مصورًا للقيادى الحمساوى محمود الزهار، وهو يتحدث إلى مجموعة من أعضاء حماس قائلًا: فلسطين بالنسبة لنا مثل الذى يحضر السواك وينظف أسنانه فقط، لأن مشروعنا أكبر من فلسطين، مؤكدًا وبكل بجاحة «فلسطين غير ظاهرة على الخريطة».
بعد ٧٢ عامًا من نكبة فلسطين، أدرك الملايين من العرب والمسلمين أن الذين تاجروا بالقضية أكثر بكثير ممن أخلصوا لها، وأن صوت المتاجرين والمزايدين كان دائمًا أعلى بكثير من أصوات المناضلين الذين ضحوا بدمائهم وأرواحهم، وأن المزايدين على مر العقود كانوا يمتلكون البجاحة والوقاحة، التى تجعلهم يتهمون من يخالفهم الرأى بالخيانة، وأنه يبيع القضية التى باعوها مئات وربما آلاف المرات.
الذين تاجروا بقضية القدس والأقصى خونوا الرئيس الراحل أنور السادات، لأنه أراد أن يجلسهم على طاولة المفاوضات المباشرة، والتوقيع على وثيقة تضمن لهم دولة على حدود ١٩٦٧ عاصمتها القدس الشرقية، وبعد سنوات من رحيله جلسوا إلى طاولة المفاوضات، وطوال أربعة عقود تفاوضوا كثيرًا وتنازلوا أكثر، لكن الأمريكيين لم يقدموا لهم فى النهاية سوى مشروع دولة، وصفها الرئيس محمود عباس بأنها أشبه بقطعة الجبن السويسرية.
لن تتحرر القدس أو الأقصى بأيدى المتاجرين الذين يربحون كثيرًا من الهتاف، ستتحرر القدس عندما نلصق العار بجباه كل الذين باعوا القضية من أجل مكاسب شخصية، ستتحرر القدس والمسجد الأقصى بأيدى من يمتلكون القدرة على وضع حد للعبث الدائر فى غرف المفاوضات التى تدار لصالح دولة الاحتلال وحدها، الذين يستطيعون رفع الشعار المخلص ويمتلكون الإرادة لفرضه فرضًا على أرض الواقع، مهما كان الثمن، ومهما كانت التضحيات.
ads