الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
ماجد حبته
ماجد حبته

تفتيش التليفونات.. فى أمريكا

الأربعاء 13/نوفمبر/2019 - 08:56 م
طباعة
حقوقيون أمريكيون أشادوا بحكم أصدرته محكمة فيدرالية فى الولايات المتحدة. وبعناوين مضللة، تعاملت وكالات أنباء ومواقع إلكترونية مع ذلك الحكم، الذى لم يحظر تفتيش التليفونات المحمولة وأجهزة الكمبيوتر، دون إذن قضائى، وإنما اشترط، فقط، وجود «شكوك معقولة» لدى موظفى الجمارك وعناصر حماية الحدود.
الحكم أصدرته محكمة فيدرالية فى بوسطن بعد أكثر من سنتين من تداول دعوى أقامها ١١ مسافرًا تعرضت تليفوناتهم وكل أجهزتهم الإلكترونية للتفتيش، فى سبتمبر ٢٠١٧، دون سبب مقنع. وتضامن مع هؤلاء فى الدعوى اتحاد الحريات المدنية الأمريكى ومؤسسة الحدود الإلكترونية المعنية بالدفاع عن الحقوق الرقمية.
المحكمة رأت أن قيام موظفى الجمارك وعناصر حماية الحدود بعمليات التفتيش، دون وجود شكوك معقولة، يعد انتهاكًا للتعديل الرابع فى الدستور الأمريكى، الذى يحمى الأفراد من عمليات التفتيش التعسفية. و«من خلال وضع حد لقدرة الحكومة على القيام بعمليات تفتيش، دون شكوك معقولة، تؤكد المحكمة من جديد أن الحدود ليست مكانًا لا وجود فيه للقانون، وأننا لا نفقد حقنا فى الخصوصية عندما نسافر». لكن، بين ٤٨ صفحة من الكلام الإنشائى الظريف، أقر القاضى دنيس كاسبر بأنه ليس ضروريًا الحصول على إذن قضائى بالتفتيش.
الباب، إذن، لا يزال مفتوحًا على مصراعيه أمام تفتيش التليفونات وأجهزة الكمبيوتر، وكل شىء، لأن «الشك» نسبى، وتقدير معقوليته من عدمها، فى غياب الإذن القضائى، سيكون متروكًا للنيات أو النوايا. والأكثر من ذلك هو أن السلطات ما زال بإمكانها الاحتفاظ بالأجهزة لمدة ٥ أيام، قابلة للتجديد أو التمديد، دون تقديم تفسير أو تبرير!
يؤكد نسبية الشك، ما حدث مع «كانيل مكى» التى تم احتجازها لأربع ساعات على الحدود الكندية بسبب تفاحة فى حقيبة يدها أثارت شك عناصر الجمارك ودفعتهم إلى تفتيش تليفونها وفحص حساباتها على شبكات التواصل والبريد الإلكترونى والصور والرسائل والمسودات وتطبيق واتس آب وماسنجر: «كل شىء كل شىء»، كما كتبت «مكى». وأضافت: «كنت قد كتبت لأحد أصدقائى أننى آتية لتمضية «عطلة»، وضعت كلمة عطلة بين معترضين (علامتى تنصيص)، وحسب رأيى فإن هذا لا يدعو للريبة، لكن عناصر الحدود شكوا بأننى جئت للعمل بصورة غير شرعية، كما هى حال العديد من الأشخاص».
حدث ذلك فى كندا، وحتى لا تعتقد أن الوضع فى الولايات المتحدة مختلف، إليك قصة إسماعيل عجاوى «١٧ سنة» الذى حصل على منحة للدراسة فى جامعة «هارفارد». ولدى وصوله، فى ٢٣ أغسطس إلى مطار بوسطن لوجان، قام موظفو الجمارك بفحص حساباته على شبكات التواصل الاجتماعى، واحتجزوه لثمانى ساعات بسبب تدوينة تنتقد الولايات المتحدة، لم يكتبها هو، بل كتبها أحد أصدقائه الافتراضيين على «فيس بوك». وانتهى الأمر بإلغاء تأشيرته، وترحيله إلى لبنان. لكن بعد أن أثارت قضيته اهتمامًا دوليًا، أجرت معه السفارة الأمريكية فى بيروت، مقابلة، ومنحته تأشيرة جديدة.
عالِم فى وكالة «ناسا» تم احتجازه، أيضًا، فى يناير بمطار هيوستن، لأن موظفى الجمارك ارتابوا فى سلوكه، ولم يسمحوا له بالمغادرة إلا بعد أن أتاح لهم الوصول إلى محتويات تليفون عمله التى زعم أنها حساسة. وفى أكتوبر الماضى، رفض مصور صحفى كندى فتح تليفونه بزعم حماية مصادره، فتم منعه من دخول الولايات المتحدة بعد مصادرة تليفوناته وكاميراته وجهاز الكمبيوتر الخاص به. وستجد حالات أخرى شبيهة، ومضحكة، فى مقال كتبه باتريك جى لى، فى موقع بروبابليكا، ProPublica، تناول فيه السلطات الواسعة لموظفى الجمارك ومسئولى الحدود.
هيئة الجمارك وحماية الحدود، طبقًا لبيانات اتحاد الحريات، قامت بأكثر من ٣٣ ألف عملية تفتيش لأجهزة إلكترونية سنة ٢٠١٨، أى نحو أربعة أضعاف مما كان عليه الحال سنة ٢٠١٥. وتعليقًا على الحكم الجديد ذكرت الهيئة، فى بيان، أن تفتيش التليفونات والأجهزة الإلكترونية سيستمر بحكمة ومسئولية. وفى حال اكتشاف أى مواد أو محتويات غير قانونية، حتى وإن كانت صادرة من وسائل إعلام رسمية، أو صور مخلة بالآداب لأحداث دون سن الـ١٨، فإنه سيتم احتجاز صاحب الجهاز وتسليمه للسلطات المختصة. كما أكد جون فاجنر، مساعد المفوض العام للجمارك والمراقبة الحدودية، على أن تفتيش الأجهزة الإلكترونية صار ضروريًا، فى هذا العصر الرقمى، لإنفاذ القانون وحماية الشعب الأمريكى.
مع كل ذلك، قالت إيشا بهاندارى، عضو اتحاد الحريات المدنية الأمريكى، إن الحكم الذى أصدرته المحكمة الفيدرالية فى بوسطن «يعزز حماية الخصوصية بشكل كبير». وزعمت وكالة الأنباء الفرنسية، ونقلت عنها «يورونيوز» وغيرها، أن المحكمة الأمريكية قضت «بعدم جواز تفتيش هواتف المسافرين إلى الولايات المتحدة»، ما يجعلك تعتقد أن القضاء الأمريكى انتصر للحريات، بعكس ما حدث فعلًا.