الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
سيد عبدالقادر
سيد عبدالقادر

غزو سوريا.. جريمة «الأحمقين»

الأحد 20/أكتوبر/2019 - 06:43 م
طباعة
عندما جلست أمام شاشة التليفزيون لمتابعة أحداث غزو الشمال السورى على الهواء مباشرة، تذكرت ما حدث أيام غزو صدام حسين لأراضى الكويت، وكيف أقامت الولايات المتحدة الأمريكية الدنيا ولم تقعدها، فجاءت بالأساطيل الجوية والبحرية وبآلاف الجنود، مؤكدة رفضها مبدأ احتلال أراضى الغير بالقوة، وأنفقت المليارات من الخزائن العربية لتحرير الكويت، واستمر حصار وتجويع العراقيين، بمباركة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حتى سقط صدام وأعدم واحتلت بلاد الرافدين، وحل جيشها العظيم على يد الحاكم العسكرى الأمريكى بول بريمر.
لكن هذه الضجة تلاشت تمامًا عندما بدأ الغزو التركى لشمال سوريا، فقد بدأت الجريمة بمباركة واتفاق أمريكى، لقد بارك «الأحمق» الأمريكى الذى يكيل الإهانات لحلفائه قيام «الأحمق» التركى بالدخول بقواته إلى شمال سوريا، ليدوس بنعال جنوده وجنازير دباباته على القانون الدولى، لأن «الأحمقين» لا يحترمان القانون الدولى، ويعتقدان أننا عدنا لنعيش فى عصر قانون الغاب، حيث البقاء للأقوى، وأنه لا أحد فى الغابة يستطيع أن يبكى على بقايا جثة حمل وديع التهمها أسد ليسكت جوعه.
لقد مضى الأحمقان فى جريمتهما بدعوى إقامة منطقة عازلة فى الشمال السورى، لحماية تركيا من هجمات الأكراد المتمركزين هناك، ناسين أو متناسين أن هؤلاء الأكراد كانوا حلفاء الأمس القريب، فى تمثيلية الحرب على دولة داعش فى الرقة، والحقيقة أنه لا أحد يصدق الكذبتين الأولى ولا الثانية، فالحقيقة أنها خطوة من خطوات تمزيق وتقسيم سوريا التى أصبحت منذ انطلاق الربيع الأسود «وليمة على مائدة اللئام».
والحقيقة أنها ليست المرة الأولى التى يصمت فيها العالم تجاه عملية غزو قامت بها دولة لابتلاع جزء من أراضى دولة أخرى، رغم أنف القانون الدولى والشرعية الدولية، وعجز الأمم المتحدة، فقد أغمض حكام واشنطن وأوروبا أعينهم أمام غزو روسيا والتهامها شبه جزيرة القرم فى مارس ٢٠١٤، فقد نسى الجميع هذا الأمر أو تناسوه بسرعة كبيرة، انصياعًا لرغبة أحد وحوش عصر الغابة الذى نعيشه الآن.
لم ينتفض مجلس الأمن ضد بوتين ومن بعده أردوغان، على عكس ما قام به من إجراءات فى مواجهة صدام حسين عقب غزوه الكويت فى أغسطس١٩٩٠، والتى شملت حظرًا ماليًا وتجاريًا كاملًا على العراق.
وهذا الأمر فى الحقيقة يهدد بنسف مبدأ «احترام وحدة أراضى الدولة وسيادتها عليها» الذى استقر منذ الحرب العالمية الثانية، وكان من أهم أسباب تراجع عدد عمليات الغزو والاستيلاء على أراضى الغير خلال العقود الماضية.
اليوم تفرض الدول الكبرى إرادتها وتقر مبدأ الغزو لأراضى الغير، لتحقيق مكاسب جغرافية أو سياسية واقتصادية، ولكن: هل ستنتفض بقوة غدًا إذا ما قامت دولة شرق أوسطية- مثلًا- فى أن تسير على هذا النهج؟.. هل يمكن أن ينتفض مجلس الأمن مثلًا إذا قامت إيران بضم مزيد من الجزر العربية فى الخليج بزعم تأمين الملاحة لسفنها أو لحماية حدودها؟.. هل ستهتز الشرعية الدولية إذا قامت مصر بدخول شرق ليبيا لإقامة منطقة آمنة، لمنع تسلل الإرهابيين إلى أراضيها؟ أو إذا قررت أن تحتل منطقة سد النهضة فى إثيوبيا بدعوى حماية ١٠٠ مليون مصرى من العطش؟ وكيف سيكون موقف الشرعية الدولية إذا ما قررت قوات التحالف العربى الدخول بقواتها إلى صنعاء وعدن، للقضاء نهائيًا على التهديدات الحوثية التى تقف وراءها إيران؟.
هذه تساؤلات قليلة، وهناك المزيد والمزيد منها، فالمشاكل الحدودية كثيرة حول العالم، والصراعات السياسية والجغرافية والعرقية حولت كثيرًا من مناطق العالم إلى بؤر ساخنة، قد تتحول بين يوم وليلة إلى مناطق حروب ونزاعات مسلحة دامية، إذا قررت أطراف هذا النزاعات أن تحرك جيوشها وتتغلغل بها فى أراضى الدول المجاورة، تماهيًا مع مبدأ شريعة الغاب الذى أقره العالم فى القرم ويحاول اعتماده فى شمال سوريا، ولا أعتقد أنه سينجح.
لا يمكن أن يقبل العالم فى القرن الحادى والعشرين بأن يداس القانون الدولى بأحذية الدول الكبرى، وأن يعتمد بدلًا منه شريعة الغاب، حيث يصبح البقاء للأقوى.. أو بمعنى أدق: يصبح «البقاء للأحمق» الذى يجد مساندة ومؤازرة ممن هو أحمق منه.

ads