رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

"حياة معلقة" ترصد التفاصيل اليومية لسكان مخيمات غزة

وزير الثقافة الفلسطيني
وزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف

في روايته "حياة معلقة"، استطاع الكاتب الروائي ووزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف، التعبير عن حياة الفلسطينين في غزة خلال  العقود الثلاثة الأخيرة، ورصد تفاصيل حياة سكان المخيمات، والتحولات السياسية وأثرها على العلاقات الاقتصادية والثقافية والصراع من أجل الهوية والبقاء.

 

من نكبة 48 إلي مخيمات القرن الحادي والعشرين

 

تتناول رواية "حياة معلقة"، سيرة حياة "نعيم" والذي يواكب مولده حرب  1948، حيث  تهاجر أسرته من يافا، ويسكن مخيم بالقرب غزة٬  يعرض حياته وحياة أسرته لخطر الإعتقال وهو يطبع سرا منشورات المقاومة قبيل الإنتفاضة الفلسطينية الأولي التي تنطلق شرارتها فتخرج صور كبيرة للشهداء من مطبعة “نعيم” لتتزين بها شوارع المخيمات وواجهات محالاتها.


لا يدعي " نعيم" بطل رواية "حياة معلقة"، أية بطولات ويرفض التقاط الصور له ٬ تتلخص أحلامه البسيطة في التزام شمل أسرته وأبنائه الثلاثة  بعد عودة “سليم” من إيطاليا،  وخروج “سالم” من السجن ، وزيارة ابنته “سهي”،  بعدما رحلت مع زوجها إلي السعودية ٬ ولا يتحقق حلمه أبدا بعدما تقتنصه رصاصة جندي إسرائيلي فترديه قتيلا ٬ وتبكيه قلوب  قبل مآقي كل من عرفوه ، المختار وصفي، والحاج خليل، ويوسف، ونصر وآخرون من الشباب الذين طوق نعيم أعناقهم بحمايته لهم من إعتداءات الجنود  الإسرائيليين وما قدمه لهم من خدمات في مقاومتهم السرية .

 

 يعود سليم كي يحضر جنازة أبيه الذي تاق لعودته تلك، ويرفض أن تطبع صورا لأبيه لتوزع في أنحاء المخيم كبقية الشهداء لا يريد لأبيه أن يُختزل في بوستر، يقول سليم: "ثم إنه ليس بطلًا بل ضحية".  ينخرط سليم في مرافعة ونقاش طويلين مع “نصر”، ممثل النضال الشبابي المتواصل في رواية "حياة معلقة"، حول معنى ومغزى البطولة التي لم يخترها نعيم.  يغضب نصر من نزق سليم وفلسفته ورفضه لفكرة البوستر، فنعيم أحق أهل المخيم ببوستر يليق به وهو الذي كان قد صمم بوسترات لكل شهداء المخيم وغيرهم ٬ لم يكن هذا نقاشًا عابرًا، بل يتمحور ويصير جوهر الرواية.

 

بموت  “نعيم”، تتغير تفاصيل حياة سكان المخيم، عندما يستصدر  العميد صبحي قرار من حكومة غزة يقضي بهدم البيوت على التلة واستثمار الأرض في مشاريع تفيد المخيم٬  مول كبير، ومسجد كبير، ومركز شرطة كبير. المشروع كله قائم على الفساد والمستفيد الأكبر منه هو خميس، الذي صار البزنس جزءًا من حياته٬ بعدما فارق المقاومة وصار يجاهد في تجارة الأنفاق.

 

 العميد “صبحي” مستفيد أيضا لأن خميس وعده بعدة محلات في المول. أما مركز الشرطة والمسجد فكأنهما الحارسان أو المشرعان الضروريان لوجود المول: الأول يمنح الحماية الأمنية، والثاني يمنح الشرعية الدينية. 

 

صمدت التلة في وجه إسرائيل لأن الناس كانت تعرف أنها تواجه عدوًا واضحًا، سقطت التلة يوم ضاعت البوصلة بين المول والمسجد والمخفر، وما عاد أحد يواجه عدوا واضحا.


هنا يبرز الصراع في رواية "حياة معلقة"، ما بين أهالي المخيم دفاعًا عن قداسة هذه التلة، وما بين السلطة، في مشهد ينتهي بصراع ميداني على التلة، وكأنه يحاكي حالة الانقسام الفلسطيني ٬ الغريب في الرواية أنها تبدأ بحرب وتنتهى بحرب، وفى تفاصيل بدايتها جنازة وفى تفاصيل نهايتها جنازة أيضا.


نجح عاطف أبو سيف، من خلال روايته ""حياة معلقة"،  في تعقب العقود الثلاثة الأخيرة من عمر القضية الفسطينية  من لحظة اللجوء الأولى إلى تلاحق الحروب، ثم الانتفاضات، وقيام السلطة الفلسطينية في منتصف التسعينات، وصولا إلى الانقسام وسيطرة حماس على قطاع غزة٬ حي تتبدل بعض ملامح الحيوات لكنها تظل معلقة، جميعها برسم الإنتظار: انتظارالسجناء حتى يخرجوا، والمسافرين حتى يعودوا، والصغار حتى يكبروا، والكبار حتى يموتوا.