رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الحركات الإسلامية المسلحة بالجزائر.. سنوات العنف والدم (2)

أرشيفية
أرشيفية

بعد أن حصلت الجمهورية الجزائرية على الاستقلال من الاستعمار الفرنسي في مارس عام 1962، ظهرت الخلافات الداخلية حول ماهية الدولة ومرجعيتها، ودارت الخلافات بين التيار الديني، الذي ظهر في شكل كيانات وجماعات متأثرة بالمناخ العام السائد خلال فترة الستينات في أغلب إن لم يكن كل الدول الإسلامية، المتأثر بمنهج جماعة الإخوان في مصر.

ومن بين هذه الكيانات، جماعة الموحدين التي أسسها محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني، والتي تحولت فيما بعد إلى حركة مجتمع السلم (حسم)، كما ظهرت أيضا كيانات أخرى منها الجماعة الإسلامية لمؤسسها عبدالله جاب الله، وجماعة مالك ابن نبي أو جماعة مسجد الجامعة المركزي، وظلت هذه الكيانات الأكثر نشاطا خلال فترة السبعينات والثمانينات التي تبنت خلالها الدولة الجزائرية اتجاها ينظر إليه التيار الإسلامي على أنه معاد للإسلام.



ظهور جديد

وسط هذا المناخ المتأزم بين الحركة الإسلامية والدولة وفي 12 نوفمبر 1982 اجتمع مجموعة من عناصر الحركة الإسلامية بالجزائر ووجهوا نداءً من 14 بنداً يطالب بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد.

 

ودعا علي بلحاج لتشكيل "الجبهة الإسلامية الموحدة" من أجل توحيد جهود التيار الإسلامي في فصيل قوي، واقترح عباسي مدني اسما آخر للكيان الجديد وهو "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" حتى تسمح بقبول آراء متعددة، من داخل التيار الإسلامي انطلاقا من القاعدة الذهبية التي وضعها حسن البنا، "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه"، وأكد أن الحل الإسلامي وفقا لرؤية الكيان الجديد هو السبيل الوحيد للإصلاح والتغيير، من أجل إنقاذ الأمة الجزائرية.

 

تم الإعلان الرسمي عن "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في 18 فبراير 1989 م، بمبادرة من عدد من الدعاة المستقلين من بينهم عباسي مدني الذي أصبح رئيسًا للجبهة ونائبه علي بلحاج. واعترفت بها الحكومة الجزائرية رسميا في 6 سبتمبر  1989في ظل تداعيات الاحتجاجات الشعبية وأعمال الشغب التي بدأت عام 1988.

 

وجاء إدماج الجبهة الوطنية للإنقاذ في العملية السياسية في إطار مناورة من الرئيس الجزائري السابق الشاذلي بن جديد، والذي أعلن حينها عن برنامج طموح للإصلاح السياسي في البلاد، بعد سقوط مئات الجرحى والمصابين خلال التظاهرات التي عمت البلاد خلال شهور، وأعلن دستورا جديدا ينهي الاحتكار السياسي لجبهة التحرير الوطني، فظهر إلى جانب الجبهة الإسلامية للإنقاذ أكثر من 30 حزبا سياسيا، وبدأت مرحلة جديدة في البلاد فازت خلالها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية ساحقة في الانتخابات العامة التي أجريت في يناير 1992، وفاقت فيها أعداد الأصوات التي حصلت عليها الجبهة ضعف ما حصلت عليها جبهة التحرير الوطني، إذا حصلت على 953 مجلسا بلديا من اصل 1539 و32 مجلسا ولائيا من اصل 48.


تدخل الجيش.. لماذ؟

تدخل الجيش، وألغيت نتائج الانتخابات البرلمانية، وتم حظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ واعتقال عدد من قياداتها، وتشكيل مجلس أعلى لقيادة الدولة برئاسة محمد بوضياف مؤسس جبهة التحرير الوطني، على خلفية التصعيد الذي أعلنه قيادات الجبهة والتي لم تقنع بخطاب الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد الذي تلاه صبيحة إعلان نتائج الانتخابات، وأكد خلاله احترامه لنتائج الانتخابات وقال " الجميع جزائريون ويخدمون الجزائر كل من وجهة نظره، لكن في النهاية تعاوننا هو من يدفع البلد الى الديموقراطية والازدهار" ورغم ذلك فقد انتشر أعضاء الجبهة في المدن والقرى منتشين بالنصر وملأوا الجدران بشعارات تهديدية منها: "الانفراج او الانفجار" في إشارة الى الإفراج عن قيادتها التي اعتُقِلت على أثر عصيان مدني منظّم صيف 1991، أو بداية الحرب، الأمر الذي زاد مخاوف الجميع من خطورة الجبهة التي ارتكبت مجزرة خلال فترة الدعاية الانتخابية حينما اقتحم عناصرها مركزا عسكريا بمدينة قمار الواقعة على الحدود التونسية.

 

لم تصمت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الحظر، ودعت التيار الإسلامي إلى تمرد عم ارجاء البلاد، وشن حملة مستمرة ضد الحكومة، مما أدى إلى مواجهات عنيفة، قادت الجزائر إلى حرب أهلية.



مجازر دموية

 

في عام 1992 عندما شنت الجماعات المتمردة هجمات ضد ضباط الشرطة والوحدات الأمنية الأخرى المرتبطة بالدولة بدأت القوات المسلحة ترد بعنف شديد، قابله عنف أشد من الجبهة الإسلامية للإنقاذ والفصائل المتعاطفة معها. وفي منتصف عام 1993 ، كانت الفصائل الإسلامية المسلحة قادرة على ترسيخ سيطرتها على عدد من المناطق ، وانتقلت المواجهات إلى استهداف المدنيين، خاصة الصحفيين والمثقفين الذين اعتبرتهم جبهة الإنقاذ معادين للمشروع الإسلامي.

 

وانقسمت الفصائل المسلحة إلى ثلاثة معسكرات، وبدأ الصراع الداخلي بينها، وفقا لتقرير نشرته مؤسسة السلام العالمي، أكد أنه بحلول عام 1994 ، ظهرت اختلافات أيديولوجية وتكتيكية واضحة قسمت التمرد على نطاق واسع إلى ثلاثة معسكرات رئيسية: المعسكر الأول ، الذي يقوده الجناح المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ. والذي أعلن أن الجبهة لا تسعى إلى الإطاحة بالدولة بل كانت تهدف إلى الإصلاح والضغط على النظام لإضفاء الشرعية على الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

 

وأشار تقرير المؤسسة إلى أن المعسكر الثاني، كان أغلبه من الفصائل القادمة من الشرق الأوسط وهدفه الأساسي كان الإطاحة بالنظام وإقامة دولة إسلامية.

 

 أما المعسكر الثالث ، فكان يتمثل في الجماعة الإسلامية المسلحة، باسم "الأفغان" الجزائريين ، وتمثل في الجماعة الإسلامية المسلحة التي كانت الأكثر تطرفًا، رغم تعاونها المبدئي مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

 

وشهدت البلاد عشرات المذابح على يد العناصر المسلحة التي استجابت للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وبدأ الصدام بين هذه الفصائل التي تتسابق على من يُحصل أكبر عدد من الضحايا المدنيين الذين يعتبرونهم كفارا أو مرتدين، وقد بلغت أعداد الضحايا في الكثير من المذابح أكثر من 400 قتيل في العملية الواحدة، وسط تبادل الاتهامات بين الفصائل.


انشقاقات واتهامات متبادلة

 

في صباح 8 يناير 1998 خصصت نشرة "الرباط" القريبة من "الهيئة التنفيذية" لـجبهة "الانقاذ" عددا خاصا للمجازر التي شهدتها ولاية غليزان- وفقا لصحيفة الحياة اللندنية، واتهمت صراحة "كتيبة الأهوال" التابعة لـ"الجماعة الإسلامية المسلحة" برئاسة عنتر الزوابري، بالوقوف وراء عمليات القتل التي استهدفت مئات المواطنين خلال شهر رمضان.

 

وكتبت "الرباط" ان "كتيبة الاهوال المخترقة والمشبوهة عددها يفوق 400 عنصر وتتمركز في السفوح الجنوبية من جبال الونشريس، اي في جنوب شرقي ولاية غليزان، وتحديداً في جبال سعدية وزغدان وبلدية الرمكة وسوق الحد وعمي موسى".

 

واشارت الى ان هذه المجموعة تتبنى نهجاً متشدداً "ارتكبت تجاوزات ضد سكان القرى النائية بحجة انهم مشركون، فاضطر الجيش الاسلامي للانقاذ ...الى مواجهتها فوقعت اشتباكات طيلة شهر نوفمبر وديسمبر في منطقة اولاد بن عبدالقادر والصبحة في ولاية الشلف، واشارت الى ان الجناح المسلح لـ "الانقاذ" قتل 16 عنصراً من "الاهوال" .

 


أرقام مزعجة وبيانات متناقضة

 

اسفرت المجازر التي وقعت في فترة العشرية السوداء بالجزائر عن مئات المجازر بين المدنيين شهدت إبادة قرى بأكملها، إلا أن الأرقام الحقيقية مازالت مجهولة حتى اليوم، وسط تباين وتناقض الجهات المعلنة عنها سواء المحلية أو الدولية.

 

وذكر تقرير مؤسسة السلام العالمي المنشور عام 2015 إلى أن الفترة ما بين عامي 1994 و1996 وحدها شهدت بحسب ارقام رسمية أكثر من 140 مجزرة، وبين عامي 1997 و1998 ما بين 400 إلى 450 حادثة، وأن مجموع عدد الضحايا في العشرية السوداء بلغ 44 ألف حالة وفاة بينهم 18 ألف حالة اختفاء، في حين أكدت تقارير حكومية أن عدد القتلى وصل إلى 850 قتيلا شهريا منذ بداية الأزمة حتى عام 1996 فقط، وارتفع متوسط أعداد القتلى 2500 قتيل شهريا في خلال عامي 1997 و1998.

 

في حين ذكرت تقارير أخرى أن عدد الضحايا خلال العشرية السوداء بلغ أكثر من 200 ألف شخص بين مفقودين وقتلى.