رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

حكاوي البحر ومغامراته.. «الدستور» في رحلة البحث عن أقدم مركب بالإسكندرية (فيديو)

الريس حميدو بالميناء
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

في يوم شتوي مشمس، بداخل الميناء الغربي بمنطقة الأنفوشي، كانت أصوات الطرق على الأخشاب، وضحكات ولعب الأطفال تمتزج مع أصوات أمواج البحر والذي هدأ لتوه بعد أيام النوة القاسية التي أوقفت عمل صانعي المراكب والصيادين.

هنا في ذلك الميناء الذي يعجّ بالورش التي تعمل في صناعة المراكب والسفن بعضها من الخشب والآخر من الحديد، بين مراكب الصيد ولانشات السياحة، تتراص أمام أكشاك خشبية تتزين بخطاف مركب، أو سلاسل، أو عبارات تبعد الحسد، تلك هي ورش صناعة المراكب والسفن بمنطقة الأنفوشي بالإسكندرية.

received_2835280313398405
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

«الدستور» خاضت رحلة البحث عن أقدم مركب صيد بالإسكندرية، وحكاوي ومغامرات البحر التي خاضتها بداخل الميناء الغربي الذي كان شاهدًا على صناعتها من البداية.

كانت الساعة تشير إلى الثانية ظهرًا عندما التقينا بـ«خميس حميدو» ذلك الرجل الستيني الذي غزا الشيب رأسه، وصبغت الشمس جلده بمزيج من اللون الأحمر والأسمر، فهو ابن البحر الذي عاش عمره بداخله، رأى ما رأى منه، ونجا من الكثير من العثرات والموت المحقق عدة مرات، وبرغم أن البحر كما يقول « ملوش كبير» كانت إرادة الله هى المنجية له.

received_1513692775668231
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

يقول الريس خميس السيد حميدو، من منطقة بحري بالإسكندرية، إن جميع عائلات الغربية من أهل بحري، يعملون في مجال الصيد وصناعة السفن، توارثوا المهنة أبًا عن جد، وأصبح اسم عائلته مرتبط بالبحر والمراكب.

received_288253329939553
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

«اتولدت في البحر، حبيته وحسيت إنه مكاني، هويت الصنعة، كنت بهرب من المدرسة عشان اجي اقف مع أبويا وهو بيشتغل، كنت عاوز أشرب الشغل، وأنا الوحيد من بين اخواتي ألي بقيت دراع ابويا اليمين وسنده وكملت بعده»، متابعًا أنه بدأ العمل في سن العاشرة من عمره، حيث كان يقف مع والده يبدأ في مناولة العدد لبعض الصناع، أو حمل بعض الأشياء، وكان ينظر لكل شيئ لكي يتعلم، حتي أصبح يعتمد عليه من والده في الورشة وهو في سن صغير.

received_222650823363257
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

في رحلة البحث عن أقدم مركب في بحر الإسكندرية، كان التطوير هو السائد، فكل صياد يمتلك مركب قديم، أقدم على تجديدها، أو صنع مركب جديد، كما يقول «خميس حميدو» إن قانون البحر الرسمي للمركب 20 عامًا ثم يتم تكهين أي مركب، ولكن إذا كان صاحب المركب يعتني بها يمكن أن تعيش معه أكثر من ذلك، قائلًا: «طول ما إيديك في المركب تعيش، لو هاكل منها بس مش هتعيش معايا».

received_1079717712815233
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

يضيف الريس «خميس» قائلًا: «زمان غير دلوقتي، الصناعة كانت يدوي، دلوقتي بالكهرباء، وحسب التطوير احنا شغالين، في مراكب اتولدت على إيدي ومراكب تاني كانت من عمري وأكبر مني، فيه اللي راح واللي اتجدد وكله بقى عاوز الجديد».

received_614824826456247
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

وأضاف والدي كان يمتلك 8 مراكب كبيرة، و4 قوارب صغيرة، وكان من أشهرهم «صلي على النبي، وقاصد كريم وحميدو»، متابعا: «كانت الأسماء دي وش خير على الصيادين وكانت بتتطلب بالأسم بس مش بنطلعها غير للي نعرفهم لأن العيلة فيها صيادين وبنشتغل عليها لكن ابويا مكنش بيقول لحد لاء؛ ده رزق وبينادي صاحبه».

received_2084730098341395
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

يشير لنا إلى قطع خشبية بأحجام متفاوتة عوامل الزمن، و مياه البحر وحرقة الشمس جعلت منها شبيه للقطع الأثرية، حيث يحتفظ بها للذكرى، قائلًا:« دي مقدمة مركب صلي على النبي لسة محتفظ بجزء منها، وده جزء من قارب قاصد كريم، والقطع الصغيرة أجزاء من مراكب وقوارب تانية، بحاول احافظ بأجزاء منهم بعد ما اتكسروا وعارفهم».
 

received_307209144653658
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

«حميدو» قارب شارك صاحبه مغامرات البحر

بين تلك القطع القديمة، يقف قارب ما زال متماسك، يعاند العوامل الجوية، رغم قدمه، وكسر بعض أجزاء بداخله، ليتابع « خميس» حديثه: « ده حميدو.. انا اتولدت لقيته بقاله 60 سنة في البحر، وشوفت معاه كتير في البحر وكان صديقي ألي عشت معاه عمري».

وتابع: «شوفنا مغامرات كتير في البحر، منها حالات غرق وناس راحت، أو مكنة بطلت في نص البحر، ومرة كنت هموت تحت مركب، البحر كان بيفاجأنا، واتعلمنا أن الخطأ ميتكررش، وبرغم كدة كانت الحياه جميلة وكل موقف بقي ذكرى بنحكيه لولادنا واحفادنا».

received_310466974333104
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

وعن مركب «حميدو» الشاهد على سنوات عمره، والذي خاض معه كثير من المغامرات، أوضح أن المركب تم تصنيعها في ورشة والده بنفس المنطقة ورش السفن بالأنفوشي، حيث قام والده بتسمية المركب على اسم عائلته «حميدو» وكان يحبه وضمن المجموعة المتميزه التي يمتلكها، فهى مركب صيد ليست للنزهة، توافد عليها الكثير من الصيادين من العائلة وخارجها، لافتًا« كانت وش الخير ع ناس كتير».

واستطرد قائلًا: «حميدو دي كنت هموت انا ومجموعة معايا فيها، ومعرفتش احنا ربنا نجانا أزاي»، وروى أنه كان عل متن القارب« حميدو» هو وثلاثة آخرين في رحلة صيد بداخل البحر بمنطقة بحري، وأثناء العودة كانت هناك مركب صيد كبير قادم من أبوقير، وأثناء الدخول للميناء الغربي، فصلت «التعشيقة» الخاصة بالمركب، ودخل الميناء بسرعة كبيرة، في تلك اللحظة كنت أنا أمامه، ولم أسمع نداءات التحذير التي من الصيادين وع الشاطئ.

received_333464955047441
الريس حميدو بالميناء الغربي في الإسكندرية

وتابع أنه في لحظة انتبهت، فانحرفت بالمركب على قدر ما استطيع لتفادي المركب الكبير، وبعدت عن مساره بمسافة بسيطة جدًا انقذتني من الموت المحقق أنا ومن معي على القارب، وبسبب سرعة المركب الكبير اصطدمت بالشاطئ واستغرقت وقت للإصلاح والعودة إلى أبو قير مرة أخرى.

وواصل «خميس» حديثه أن البحر علمنا الكثير، ورغم الخير الذي يعطيه البحر ولكن له هيبته وسلطانه، مشيرًا إلى أن المراكب المتهالكة التي لم يتبقي منها سوى قطع صغيرة الآن ،كادت أن تتعرض للغرق مرات عديدة، خلال النوات، والاضطراب المفاجئ للبحر وارتفاع الأمواج، وكل مركب كانت تعود سالمة، أو فقدت أحد أفرادها كانت يترك فيها البحر علامة، نراها عند إصلاحها وإعادة تجديدها.


إعصار يجتاح ورش السفن

قصة أخرى يرويها «خميس» أن منطقة ورش صناعة السفن تعرضت إلى إعصار مفاجي، حيث فاض البحر بقوة كبيرة حطم جميع المراكب على الشاطئ، وبدأ الجميع يحاول التمسك بأي شيئ، فحاولت الحفاظ على«لانش سياحة» وربطه جيدًا لسحبه متابعًا« البحر كان ثائر ولم يعد بجانبي أحد فمن يقوى على قانون البحر، ودخلت في مواجهة معه كنت اسحب المركب وهو يسحبها أكثر، كانت الناس بتقولي سيبه مش هتقدر وده فعلا الصح مفيش كبير على البحر ولكني استطعت أن أحافظ على المركب وأخرجه سليم».

بجوار ورشة المعلم «حميدو» كان بعض الشباب من صناع المراكب، منهمكون في صناعة مركب جديد، ليشير لنا أن هذه مركب بديل، فقد تحطمت مركب قديم لأحد الصيادين وارد تكهينها ليصنع مركب جديدة بنفس المواصفات الموجودة برخصة المركب، وهو ما يتم دائمًا فأصبح المركب لا يعيش أكثر من 20عام وإن زاد إلى 30او 40يكون بسبب حفاظ صاحب المركب عليه مثل ما حدث مع مركب «حميدو» التي مازالت متواجدة حتى الآن رغم مرور 60عامًا عليها.


نجاة من الموت

حوادث ومغامرات خاضها الرجل الستيني في البحر، بدأت عندما انقلب القارب على والده وعمه في المياه، ويسارعون الأمواج للنجاه، وغيره من الحوادث مما جعل الشيب يكسوا رأسه في سن الشباب، ليضيف قائلًا« من ألي شوفته في شغلى وفي البحر شعري كله بقي ابيض وانا صغير» حيث أنه منذ طفولته وهو يتعرض لحوادث في البحر بدأت بسقوطه من فوق مركب بضائع كبيرة، في البحر وهو طفل صغير، وتيقن الجميع أنه فارق الحياه، ولكن حبه للبحر جعله يتعلم السباحة منذ صغره، ليخرج من المياه أمام ذهول الجميع.

ويستكمل حديثه بأنه أثناء إصلاح مركب تحت الماء، قام صاحبها بتشغيل الماتور مما جعل المركب تسقط على يديه وكان من المحتمل أن يسحبه المركب معه، ولكن إرادة الله أنه استطاع إخراج يديه من اسفل المركب والخروج من الماء، وهو كان خطأ صاحبها، مشيرًا إلى أن هذه الأخطاء في البحر بإهدار حياة إنسان لذلك العمل في البحر يعتمد على التركيز والتعلم من الخطأ وعدم تكراره.

حطام المراكب القديمة قطع فنية

على جانب آخر، جعل الريس خميس من تلك القطع الخشبية من مركب الصيد القديمة، معرضًا فنيًا فجعل المركب «حميدو» التي مازالت صامدة في مواجهة الزمن، هي أيقونة معرضه، وزينها بالقطع الخشبية الصغيرة من بقايا المراكب التي ذهبت في البحر وتحطمت، وأصبح هذا العرض الذي يجذب كل من يخطوا بداخل منطقة ورش صناعة السفن هو الشاهد على الذكريات.

يتابع الريس «حميدو» حديثه، احتفظت بجزء من كل مركب، وحافظ اسم مركب كل قطعة، وكثير من الزوار يتوافدون لمشاهدة تلك الأجزاء فهذا المكان شاهد على الكثير من الذكريات وتم تصوير الكثير من الأعمال الدرامية هنا، بجانب توافد طلبة الفنون الجميلة للإستعانة بخبرة أصحاب الورش للتعرف على صناعة السفن الخشبية، وأقوم بالشرح لهم كل شيئ في السفينة أو القارب، بجانب اعجابهم بأجزاء المراكب القديمة ومنهم من اقتني بعض منها للذكرى.

صناعة المراكب بين الماضي والحاضر

حكاوي البحر ومغامراته لم تكن فقط المسيطرة على ذاكرة كبير صناع السفن بالانفوشي، بل المقارنة بين الماضى والحاضر كان له نصيب كبير، وكيف كان تلك المكان خلية نحل لا تتوقف، «كان كل ورشة ليها أكتر من 10 مراكب سياحية وأخرى للصيد، الانفوشي كانت هي أساس الصناعة توصل المراكب لكل مكان في إسكندرية وخارجها».

وواصل حديثه بفخر: «صنعت مع والدي وبمفردي سفن ومراكب كثيرة بجميع انواعها الصيد والسياحة، واللانشات من القوارب الصغيرة وحتى 27متر، وبكل انواعها»، مشيرًا إلى أن كل مركب ولها عملها الخاص فالمركب الصغير غير الكبير، القارب ال9متر، بتتعمل في شهر بالكتير بكل متطلباته، أما المركب الكبير أكثر من 20 متر تحتاج ما يقرب من 9أشهر ويعمل بها من 10إلى 15فرد، مشيرًا إلا أن الاختلاف أيضًا في انواع الأخشب فمراكب الصيد تحتاج نوعين أو 3 من الأخشاب مثل الكافور، التوت، الصند أما لانش السياحة يستخدم فيه جميع انواع الخشب.

وأضاف أن الصناعة كانت في الماضي رخيصة، حيث ان والده كان بيصنع القارب بـ 8 جنيهات، الآن يومية الفرد الواحد من الصناعية تتراوح بين 150ل300 جنيها  قائلًا«الأول كانت الدنيا رخيصة، كان صاحب المركب بيسلم المركب كلها للورشة ويستلمها على المفتاح، لكن دلوقتي شغل الصنعة بس، وصاحب المركب بيجيب كل حاجة بداية من الخشب، حتى الماكينات وكل شيئ».

بجانب ذلك هناك الكثير من العثرات التي مرت بها المهنة، مثل فترة الثورة، وفترة التسعينات التى كانت صعبة للغاية على أصحاب الورش قائلًا:« كان المعلمين مش لاقيين شغل، والورش قفلت بعد وقف التراخيص، وفي معلمين ماتت من القهرة، وألي معاه رخصة بقي يبيع غالي، وصلت رخصة المركب لمليون جنيه بعد أن كانت ب600جنيه».

ذكريات البحر والعديد من السفن والمراكب بأنواعها المختلفة التي شارك في صناعتها الريس خميس مع والده أو بمفرده، والتي جميعها خرجت من الورشة الصغيرة  بالأنفوشي، دونها الريس خميس من خلال صورًا فوتوغرافية كست الحائط الخشبي بداخل الورشة لتكون جنبًا إلى جنب مع العدد والأدوات القديمة الخاصة بالمراكب والسفن لتصنع نوستالجيا خاصة بهذا المكان الذي يحكي أسرار البحر التي لا يعرفها الكثير.