رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

قنبلة «الجنائية» الدخانية!

فى سلة واحدة، وضع المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، رئيس الوزراء الإسرائيلى ووزير دفاعه وثلاثة من قادة «حماس»، وأعلن عن قيامه تقديم طلبات إلى الدائرة التمهيدية بالمحكمة لإصدار مذكرات اعتقال بشأنهم، مبررًا ذلك بأن «قوانين النزاعات المسلحة تنطبق على الجميع»، مضيفًا، بمنتهى التفاؤل: «لا يمكن لأى جندى أو قائد أو زعيم مدنى، أو لأى أحد، ارتكب جريمة، أن يفلت من العقاب»!

البيان الصادر عن مكتب كريم خان، المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، أمس الأول، الإثنين، اتهم بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلى، ووزير دفاعه، يوآف جالانت، بارتكاب جرائم تشمل «التجويع» و«القتل العمد» و«الإبادة أو القتل»، و... و... و«أفعال أخرى غير إنسانية». كما اتهم إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسى لحركة «حماس»، ويحيى السنوار، رئيس المكتب السياسى للحركة فى غزة، ومحمد دياب إبراهيم، المعروف باسم «محمد الضيف»، قائد «كتائب القسام» الذراع العسكرية للحركة، بارتكاب جرائم «الإبادة» و«الاغتصاب» و«العنف الجنسى» و«احتجاز رهائن»، و«المعاملة الوحشية» و«الاعتداء على الكرامة الإنسانية»، و... و... وغيرها. 

فى سابقة نادرة، اتفقت الحكومة الإسرائيلية وحركة حماس على رفض الطلب. إذ وصفه سامى أبوزهرى، القيادى فى الحركة، إنه «مساواة بين الضحية والجلاد». ورآه رئيس الوزراء الإسرائيلى أشبه بمساواة الرئيس بوش وأسامة بن لادن، بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، أو بين فرانكلين روزفلت وأدولف هتلر، خلال الحرب العالمية الثانية. وبعدما أعلن، فى بيان، أنه يرفض «باشمئزاز» هذا الطلب، أضاف «نتنياهو» مخاطبًا المدعى العام: «بأى وقاحة تتجرأ على تشبيه وحوش حماس بجنود الجيش الأكثر أخلاقية فى العالم؟».

البند الثامن فى القرار الصادر عن القمة العربية الإسلامية المشتركة، غير العادية، أو الطارئة، التى استضافتها العاصمة السعودية الرياض، فى نوفمبر الماضى، كلّف الأمانتين العامتين لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامى بأن تطلبا من «المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية» استكمال التحقيق فى جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، التى ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطينى. وكنا قد سألنا وقتها: هل يجرؤ البريطانى كريم خان، حين يصله الطلب، على فتح هذا الملف المغلق، أو المعلّق، منذ منتصف ٢٠١٤، الذى عاقبت الولايات المتحدة فاتو بنسودة، المدعية العامة السابقة، حين حاولت تحريكه؟!

جرأة المدعى العام المفاجئة، أو شجاعته المدهشة، غير المتوقعة، قد يكون سببها «المحادثات السريّة» التى أجراها مكتبه، خلف الكواليس، مع مسئولين إسرائيليين، والتى كشفت عنها «هيئة البث الإسرائيلية»، التى أشارت، أيضًا، إلى أن الطرفين عقدا اتفاقًا، كان من المفترض بموجبه أن يزور كريم خان إسرائيل الأسبوع المقبل، على أن يسبقه طاقم من مكتبه هذا الأسبوع، قبل أن يتم إلغاء الزيارة فى اللحظات الأخيرة.

الأهم من ذلك هو أن المحكمة الجنائية الدولية موءودة أمريكيًا، منذ أن وُلدت، أو على الأقل جرى خنقها وتكتيفها بقانون «حماية رجال الخدمة المدنية»، الذى أصدرته الولايات المتحدة، فى ٢ أغسطس ٢٠٠٢، أى بعد مرور شهرين فقط على إنشاء المحكمة، المعروف باسم «قانون غزو لاهاى»، الذى يتيح للرئيس الأمريكى استخدام القوة العسكرية ضد هولندا، أو أى دولة أخرى تحتجز مسئولًا أو جنديًا أو مواطنًا أمريكيًا بناءً على طلب من تلك المحكمة. 

بالإضافة إلى «قانون غزو لاهاى»، هددّت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، قضاة المحكمة، بملاحقتهم وفرض عقوبات عليهم، حال قيامهم بتوجيه اتهامات إلى أمريكيين أو إسرائيليين أو أى حلفاء آخرين للولايات المتحدة. وبالفعل، قامت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، فى سبتمبر ٢٠٢٠، بفرض عقوبات على كبار مسئولى المحكمة، على رأسهم المدعية العامة السابقة. والطريف هو أن إدارة جو بايدن حين قامت بإلغاء هذه العقوبات، فى ٣ أبريل ٢٠٢١، قال أنتونى بلينكن، وزير الخارجية، إن بلاده «ما زالت مختلفة بشدة مع إجراءات المحكمة المتعلقة بأفغانستان والأوضاع الفلسطينية».

.. أخيرًا، وتأسيسًا على كل ما سبق، نرى أن بيان، أو إعلان، أو طلب المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، مجرد قنبلة دخانية، نتمنى ألا يغطى غبارها مسرح الجريمة، أو الجرائم الإسرائيلية الوحشية، المستمرة لليوم الـ٢٢٧ على التوالى.