رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 16 يناير 2021 الموافق 03 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
مدحت بشاى
مدحت بشاى

أنشأنا السد العالى تكريمًا للحياة

الخميس 14/يناير/2021 - 07:28 م
طباعة

بمناسبة وضع حجر الأساس لبناء السد العالى، الحدث الذى نعيش ذكراه اليوم «١٥ يناير ١٩٦٠»، جاء على لسان عبدالناصر فى هذا الصدد: «إن الشعب الذى بنى الأهرام إجلالًا للموت، قادر على بناء السد هرمًا جديدًا، تقديرًا وتكريمًا للحياة».
ولكن ومن سرديات الكوميديا السوداء التى عشناها مع أحد نجوم أهل المغنى وأول من تقافز على خشبة المسرح كسمة جديدة للمغنى، ومنذ أكثر من ربع قرن من الزمان وعبر مقابلة تليفزيونية مع مطرب شاب فى تلك الآونة، وقد صار الآن نجمًا شهيرًا، سأل محاوره بتهكم رذيل وكبرياء جاهل منتقدًا أغنية «حكاية شعب» للعندليب عبدالحليم حافظ.. قال عندليب زمانه «هو فى مطرب يغنى للسد العالى؟!».. وظل حتى تاريخه وقد تجاوز عمره الحقبة السادسة «عمره يقترب من عمر وضع حجر الأساس للسد العالى»، لا يحب الغناء للوطن أو التغنى بإنجازات الشعب باستثناء أعمال قليلة لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة، ولا يحب تقديمها حتى فى المناسبات الوطنية!!
إن مطربنا الشهير ظل يعانى وما زال- وهو الآن العجوز الستينى- من حالة قصور شديد فى الوعى العام بأحوال وطنه، وعليه كان من الصعب أن يغنى لوطن له تاريخ وحضارة لم يعرفها للأسف!
لقد شهدت الحياة العلمية والبحثية والأكاديمية بشكل عام، وفى مجال إعداد العلوم والمعارف التاريخية بشكل خاص، تطورًا فى بلادنا مع بداية القرن العشرين، حيث انتقلت عملية تدوين التاريخ من الحوليات وتسجيل الظواهر التاريخية إلى مرحلة الدراسة المتعمقة التى تعتمد على منهج علمى واضح المعالم على نحو ما حدث فى أوروبا مع تغيير المسرح السياسى الأوروبى بعد تقويض علاقات الإنتاج الإقطاعية، وظهور علاقات الإنتاج الرأسمالية، وظهور حركات الإصلاح الدينى، وتقدم المعارف، وعلى رأسها العلوم الطبيعية، وهو ما أدى إلى المطالبة المتكررة فى منطقتنا وفى مصر بشكل خاص بإعادة كتابة التاريخ القومى.
فى أعقاب ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، اهتم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بإعادة إحياء الدولة فى كل مجالات ونواحى الحياة السياسية والاقتصادية، فكان فى مقدمة تلك المشاريع بناء السد العالى، لتوسيع مساحة الأراضى الزراعية بعد توفير مياه الفيضان التى كانت تلقى دون استعمالها، بالإضافة إلى تفادى الجفاف وتوليد الطاقة الكهربائية.
فى البداية تم تكليف مجموعة من الخبراء الألمان بإعداد الدراسات عن المشروع، إلا أنهم جميعًا أكدوا أن ضخامة التمويل هى أكبر المشاكل التى قد تواجه نجاح ذلك المشروع، فلم يكن أمام مصر خيار آخر سوى المساعدات من الخارج، فلجأت مصر إلى الولايات المتحدة وإنجلترا والبنك الدولى- الذى أقر تمويل مشروع بناء السد فى سنة ١٩٥٥م- وتقدمت الولايات المتحدة وإنجلترا بعروض جزئية تصل إلى ١٣٠ مليون دولار، واشترطا لهذه المعونة موافقة البنك الدولى على تقديم قرض لمصر بقيمة ٢٠٠ مليون دولار.
مع كل عام ومع اقتراب الاحتفال بثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ تخرج علينا عبر كل وسائط الميديا أصوات بعض مزورى التاريخ وكارهى تلك الثورة المجيدة وإنجازاتها التى لا ينكرها أحد، وهو ما تواجهه ثورة ٣٠ يونيو ورئيسنا المحبوب عبدالفتاح السيسى وإنجازات شعبنا فى السنين الأخيرة، ويسألون بتهكم ساذج «ماذا تبقى من ثورة يوليو؟!».. وينسون أو يتناسون بناء السد العالى كمثال حى على مردودات أحد أهم المشروعات العملاقة الإيجابية والتاريخية.
لا شك أن المتابع لما حدث ويحدث فى القارة الإفريقية، وما شاهدناه على أرضها من فيضانات أو جفاف، لديه أبلغ رد على من يقللون من أهمية السد العالى كإنجاز تاريخى مهم وعظيم، بمن فيهم مطرب القفزات السحرية على مسارح النيل من الغناء الأصيل.
لقد جاء الرد على أشاوس تزوير التاريخ والنيل من إنجازات شعبنا، عبر إقرار المنظمات الدولية بأن السد العالى هو المشروع الهندسى الأهم فى القرن العشرين، وتيقن كل مصرى طبيعى أن السد العالى كان مشروعًا قوميًا عظيمًا، لأنه كان من الشعب ولصالح الشعب، وأنه حمى مصر من جفاف قاتل فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى، ومن فيضانات مدمرة معظم الوقت، وأنقذ حياة ملايين المصريين من موت وخراب ديار.
نعم، لقد اختير السد العالى كأعظم مشروع بنية أساسية فى العالم خلال القرن العشرين، وسبب اختياره أنه غيَّر مصير دولة كبيرة، من دولة يتحكم فى مصيرها ومستقبلها نهر لدولة مسيطرة ومديرة ناجحة لموارد نهرها العظيم، من أجل تحقيق تنمية زراعية، وتوليد الكهرباء.. لتحقيق تنمية صناعية، والأهم تحقيق أمن مصر المائى عبر التعامل الحكيم والرؤية التى تقف خلفها مؤسسات عتيدة فى مجال امتلاك المعارف والخبرات فى مجال الرى، وقد نجح المصريون فى السيطرة على جموح النهر، وفيضانه العالى، أو انخفاض منسوبه وتسببه فى الجفاف وشح الماء.
وإذا كان من ثمن دفعه أهل النوبة وشعبنا العظيم فى تلك المنطقة، فقد كان التصالح بقرارات وتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بصرف التعويضات المناسبة والمرضية لأهالينا المتضررين دون استجابة من حكومات ما قبل ثورة ٣٠ يونيو الرائعة.