رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 14 أغسطس 2020 الموافق 24 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

الفاجعة الأخيرة

السبت 11/يوليه/2020 - 06:48 م
منى ياسين
منى ياسين
منى ياسين
طباعة
فى الغرفة الصامتة إلا من تأوهات الرفيقات أضطجع على فراش صغير لأتناول جرعة الكيماوى، ومن اعتيادى على الألم قررت أن أصادقه، أحيا فى صمت يمنعنى من التأوه بصوت عالٍ، هكذا اعتدت أن أكون وحدى وأعبّر عن آلامى فى هدوء تام، آلامى الجسدية مهما بلغت ذروة قسوتها لا تقارن بآلامى النفسية وكونى وحيدة.. ماتت أمى بعد صراع فاشل مع نفس المرض، وتم طلاقى بعد سنوات قصيرة بحصيلة طفلين، تزوجت مجددًا من ابن عمى، فهو أحق بى كما أخبرنى عمى حينها، وبعدها علمت بوفاة والد أبنائى، ثم طُلقت مؤخرًا وانقطع وصال صلة الدم، وحين علمت بخبر ما طرأ على جسدى كانت الفاجعة، ليس من أجل الحرب الخاسرة التى سأخوضها كما فعلت أمى، ولكن لأن طفلىّ لم يعد لهما أحد، فلمن سأتركهما؟ أنسى حاجتى للدعم النفسى وللرعاية وأركز فقط فى أن علىّ الانتهاء سريعًا من تناول الجرعة لأذهب إليهما حتى وإن كنت منهكة.. أحسد رفيقة الفراش المجاور حين تتأوه بأريحية إن أرادت، كم وددت لو أن صرختى تخرج من قلبى حاملة معها آلامى، لم أرها وحدها مطلقًا؛ فدومًا أبوها معها، كم أندهش حين يقص عليها أشياء مضحكة أو يذكرها بأمور سابقة حدثت بينهما، ويسرد مواقف عن طفولتها وارتباطهما ببعضهما.. لم أكن أعلم أنه يوجد آباء يعاملون بناتهم بحب ورعاية وحنان واهتمام.. لم أكن أعلم سابقًا أن دور الأب فى الدعم النفسى وفى الوجود فى حياة الأبناء هو المعنى الحقيقى للأبوة.
قبل هذا لو كان سألنى أحدهم: «إذا انفرد الأب بابنته فى ماذا يتحاوران؟» لم أكن لأجد إجابة سوى الصمت.
تذكرت والدى وابتسمت بحسرة، فلم يكن بيننا أى ذكريات مشتركة، فمنذ صغرى وهو يعمل فى الخارج ويأتى إجازات قصيرة كل عام أو عامين، حين علم بأمر مرضى اقتطع من عمله إجازة عشرة أيام، وهذه تعتبر إجازة طويلة.. للحظة دارت فى ذهنى عدة سيناريوهات، منها مثلًا أنه سيكون موجودًا هنا يرعى طفلىّ وقت جرعاتى المتعددة، وسيحمل عنى عبء رعبى حين يأتى فى مخيلتى أننى سأرحل عنهما ولا أجد من يعتنى بهما وأن مصيرهما قد يكون ملجأ أيتام.
لم أتخيل أنه قد يصطحبنى كما يفعل والد رفيقتى، فحتى لو فعل، أظن الوقت سيكون أثقل على نفسى، فلن نجد حوارًا ممتعًا، أو حتى مزاحًا لطيفًا يخفف من وطأة ما أعانيه، تخيلت أنه قد يحاول تعويضى عن آلام حياتى المتعددة فى الاهتمام بطفلىّ وفقط، لعله يرتبط نفسيًا بهما، وحين يأتى موعد رحيلى أكون فى اطمئنان أن شئون رعايتهما ستنتقل إليه.. ولكنه أفشل جميع محاولاتى فى التنبؤ، وغادر البلاد سريعًا فى اليوم الثانى مجففًا دموعه التى لم أكد أراها وهو يقول: «لا أتحمل رؤيتك هكذا».