الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
غسان شربل
غسان شربل

العهد والحكومة والحزب ورسائل الخيبة

الإثنين 21/أكتوبر/2019 - 07:54 م
طباعة
فاجأ اللبنانيون الطبقة السياسية الممسكة بأعناقهم والتى ذهبت بعيدًا فى سياسات الاحتقار والإفقار، تدفقوا إلى الشارع فى كل المناطق ومن كل الطوائف، وهذا المشهد غير مألوف منذ عقود، كشفوا تآكل شعبية الحكومة والحكم وأحدثوا جروحًا فى هيبة الأحزاب الممسكة بشوارع المناطق، وهو مشهد مؤلم للرئيس سعد الحريرى الذى كانت الجموع توافيه حين يناديها، والأمر نفسه بالنسبة إلى الرئيس ميشال عون، كل من الرئيسين يعرف أن أكثر الرسائل إيلامًا جاءته من منطقته وشارعه.
إنها موجة عاتية من الغضب ضاعفها شعور اللبنانيين بعدم جدية الحكومة والحكم فى التصدى للانهيار الاقتصادى المقترب والذى يهدد لقمة أطفالهم وفرص التعليم والعمل ويدفع بمزيد من اللبنانيين إلى طريق الهجرة، لم يعد اللبنانيون فى وارد تصديق أسطوانة الحكومة والحكم عن محاربة الفساد ومعالجة التدهور الاقتصادى، ضربت السنوات الأخيرة مصداقية العهد والحكومة معًا، كان هدير الشوارع واضحًا وهو أوفد رسائل الخيبة باتجاه ساكن السراى الحكومى وساكن قصر بعبدا، هذا دون أن ننسى أن الرجلين دخلا المقرين استنادًا إلى شرعية انتخابية وموقع مميز لكل منهما داخل طائفته.
بعد موجة الغضب التى تجتاح لبنان يقف عهد عون أمام منعطف كبير، وتاريخ الجنرال يثبت أنه كان لا يخشى المنعطفات والانعطافات حتى ولو استلزمت تخطى التفويض الشعبى أو الدستورى الممنوح له، وأمام المنعطف الحالى من واجب الجنرال أن يقرأ ويسمع.
أتمنى أن يتسع صدر الرئيس لحقيقة كشفتها تجربة السنوات الثلاث الماضية التى شكلت النصف الأول من عهده، وهى أن بعض رجال القصر هم من أضعفوا القصر وأن بعض رموز العهد هم من أضعفوا العهد، أنا لا أتهمهم بتعمد ذلك لكننى أضع سلوكهم فى خانة قلة الخبرة أو الغرور أو التملق.
يعرف الجنرال أن سعد الحريرى ووليد جنبلاط وسمير جعجع قبلوه رئيسًا بعدما فرض «حزب الله» معادلة: لا رئيس إلا إذا كان عون، وبعدما بقيت الجمهورية طويلًا مقطوعة الرأس، تناسى الحريرى مواقفكم من والده والمحكمة والاغتيالات وإسقاط حكومته وأيدكم، وتناسى جنبلاط فصول معارك سوق الغرب ومدافعها وأيَّدكم، وتناسى جعجع «حرب الإلغاء» ومدافعها وأيَّدكم، ومن حق أى لبنانى أن يسأل أين مصلحة العهد فى إظهار الحريرى مهيض الجناح مستضعفًا أمام جمهوره وطائفته؟ وأين مصلحة العهد فى استعداء جمهور جنبلاط وإعادة فتح جروح الجبل وهز المصالحة فيه لأن «التيار» لم يكن من أبرمها؟ وأين مصلحة العهد فى التعامل مع وجود جعجع فى الحكومة والشارع وكأنه ورم خبيث يجب استئصاله؟ أنا لا أقول إن الثلاثة من صنف الملائكة، وأعرفهم كما أعرفك، لكننى أسأل عن مصلحة عهدك ومصلحة اللبنانيين،
واضح أن العهد أخطأ فى التعامل مع القوى التى شاركت فيه آتية من ركام تجمع «١٤ آذار»، وواضح أيضًا أن الحريرى أخطأ حين لم ينطلق فى رحلته مع العهد من قاعدة أصلب وأوضح وأكثر توازنًا خصوصًا أنه يدرك أن الانهيار يقرع الباب، وكان باستطاعة الحريرى أن يفيد من حاجة العهد الملحة إليه لتفادى الانهيار الاقتصادى الكامل، وكان باستطاعته أن يدير العلاقات على نحو أفضل مع حلفائه السابقين لضمان شىء من شبه التوازن.
طرف ثالث يفترض أن يقرأ مشهد الساحات المكتظة بالمحتجين وهو «حزب الله»، لقد حمّل الحزب لبنان فى الأعوام الأخيرة ما يفوق قدرته على الاحتمال سياسيًا واقتصاديًا، خصوم الحزب سلموا له بدور كبير وفاعل ومؤثر لكن أكثر من نصف اللبنانيين لا يسلمون له بحق احتكار القرار الوطنى وفرض أسلوبه ومنهجه على حياة كل اللبنانيين، لا يحق للحزب وضع اللبنانيين دائمًا أمام خيار وحيد وكأن إرادته فوق المؤسسات وكلمته لا ترد.
لا بد من الاستماع إلى وجع الناس، إلى الألم الذى دفعهم مع أبنائهم إلى الساحات لإشهار خيبتهم من أهل القرار أو من يفترض أن يكونوه، على الحكومة والحكم التحرك سريعًا لإقناع الناس بأن الخطوات التى أعلنها الحريرى أمس ليست مجرد حبوب مؤقتة لتهدئة الشارع، وعلى الحراك الشعبى أن يبلور برنامجًا يتضمن مطالب واضحة وممكنة وخطة تحرُّك فاعلة تمنحه القدرة على ممارسة حق الرقابة الشعبية الدائمة على سلوك الحكومة والحكم فى المرحلة المقبلة.
تدفق اللبنانيين من كل الطوائف والمناطق دفاعًا عن لقمة العيش وفرص التعليم والعمل والحرية والكرامة يكشف الحاجة العميقة إلى قيام دولة تستحق التسمية، وفى معركة معقدة من هذا النوع بفعل تركيبة الداخل وتمزقات الإقليم، لا بد من الصبر والحذر والتحلى بالمسئولية فى موازاة الشجاعة.
لا خيار أمام عون غير استخلاص العبر من هذه الانتفاضة الواسعة الممتدة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، لا بد للحريرى أيضًا من الخروج بالاستنتاجات اللازمة، استعادة ثقة الناس تستلزم جراحات لا مراهم تجميل، والخوف هو أن يكون تحرك الشارع تخطى المعالجات المحدودة المتأخرة، غضبة اللبنانيين صريحة فى الداخل والخارج، على الحكم والحكومة تجرع سمَّ التنازل لإرادة الناس لأن كلّ رهان آخر معروف النتائج والعواقب، إننا أمام فصل جديد مختلف فى حياة لبنان، لا يمكن الذهاب إلى المستقبل بشبه دولة مستباحة.
نقلًا عن «الشرق الأوسط» اللندنية

ads
ads