الإثنين 17 فبراير 2020 الموافق 23 جمادى الثانية 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

عولمة الحكيم والإبداع المُسافر

الخميس 16/أغسطس/2018 - 04:01 م
طباعة
لا شك أن لدى معظم أهل الإبداع الكبار قراءة خاصة للواقع واستشرافًا خاصًا للمستقبل يؤهلهم ويعينهم على صياغة رؤى وإبداعات تتجاوز فى كثير من الأحيان زمن الواقع ومكان أحداثه.. ولكن تبقى لكل منهم خصوصية التناول والعالم الذى يطل منه علينا.
الجميل والمدهش أيضًا أن تتحرك القلوب والعقول والوجدان الإنسانى للتفاعل مع إبداع فنان فيما رسم على الكهوف وما أبدعه من جداريات فى بدايات التاريخ وكأنه قد فرغ من أحداثها من ساعات بكل الحماس والإعجاب، وكذلك لو أن العمل الفنى أو الأدبى لمبدع معاصر فى بلاد قد لا نسمع عنها أو تبعد عنا بُعدًا يأتى فى تقديره المعنوى بمثابة بُعد محمد رمضان عن الراحل العظيم أحمد زكى فى الموهبة والعلم والأدب وامتلاك الرؤية، فنحن بحق أمام إبداع حقيقى يدوم أثره.
ونحن نعيش أجواء ذكرى رحيل كاتبنا الكبير توفيق الحكيم «٢٦ يوليو ١٩٨٧» نذكر له تعدد نوعيات ومدارس ورسائل إبداعاته التنويرية والحضارية، وثراء أرشيفه الفكرى والفنى، ومعاصرته لحركة ومدارس الإبداع والتماهى معها، إن لم تكن تفوق بعضها، فإذا أضفنا الكلام عن رؤاه الاستشرافية المذهلة لأحوال مصر والعالم، حضاريًا وسياسيًا وثقافيًا، لأذهلتنا تلك البصيرة الإبداعية الرائعة التى تجتاز الحدود الإقليمية الضيقة.
على سبيل المثال، ما حكاه الحكيم فى مقال له نشر بتاريخ ١٦ يوليو ١٩٥٤ بعنوان «كومبارس مسرحيتى من الرهبان» تناول فيه تجربة عرض مسرحيته الشهيرة «أهل الكهف» على مسرح إحدى المدن الإيطالية بممثلين ومخرج ولغة إيطالية.. وصف الحكيم روعة المنطقة المحيطة بفندق الإقامة وكيف كانت جاهزة واستعداد الفندق والمسرح لاستقبال عمله، وكيف كان رد الفعل الجماهيرى المذهل، والاختيار الرائع للدير كموقع للعرض يتناسب مع الموضوع، وأهمية أن يكون العرض تحت إشراف وزير المعارف الإيطالى.. ويصف الحكيم سعيدًا مندهشًا انتقال رسالة الإبداع المصرى الدرامى إلى المواطن الأوروبى بلغته، ويبقى السؤال: كيف يسافر الإبداع إلى وجدان بشر مغاير حضاريًا فى زمن لم يكن للعولمة ووسائطها الإعلامية الجبارة أى وجود يُيسر انتقال الإبداعات الإنسانية بكل صنوفها وأشكالها؟!.
يقول الحكيم: «وجاءت ساعة التمثيل وامتلأت رحبة الدير بالمشاهدين.. تلك الرحبة المفروشة بالعشب والزهر، تحيط بها الأروقة ذوات الأعمدة العربية النورماندية.. وسلطت الأنوار الكشافة على منظر كهف هيئ فى فجوة بين عمودين، وظهر أهل الكهف الثلاثة نائمين.. ثم.. ثم بدأت مفاجأة لم أكن أتوقعها: جوقة راقصات الباليه يتحركن حركات توقيعية على أنغام موسيقى خفية وكأنهن يمثلن الأحلام التى عمرت رءوس النائمين طيلة المئات من الأعوام، ثم اختفت هذه الأحلام باستيقاظ النائمين الثلاثة، وبدأ الكلام بالإيطالية التى لا أفهم منها حرفًا، وحدث لى هنا ما حدث لى فى سالزبورج يوم مُثلت «بجماليون» بالألمانية، اكتفيت من المشاهدة بقراءة ما يبدو على وجوه الحاضرين الفاهمين من أثر، وإنها لتجربة ممتعة حقًا تستحق ما بذلت من متاعب السفر أن أعرف روايتى لا من سطور كتاب، بل من المسطور فى وجوه الناس من مختلف الأجناس!».
وجاء الفصل الثانى، ثم الثالث.. وحوادثهما تدور فى بهو القصر ذى الأعمدة، ولم يكن هنا من حاجة إلى ديكور مسرحى، فأعمدة الدير الحقيقية كانت أفخم من كل تزييف وتزويق، وظهرت بطلة القصة «بريسكا» تقوم بتمثيلها ممثلة السينما والمسرح الإيطالية «نيدا نالدى» ففهمت لأول مرة من هى «بريسكا» وما كنه الحب الذى ماتت به، وعندما قامت صائحة على جثة حبيبها الذى لفظ أنفاسه حينما واتته السعادة، خيل إلىّ أننى أمام مشهد «موت إيزولت» فى أوبرا «فاجنر» المشهورة.. كانت «نيدا نالدى» تتكلم على أنغام موسيقى غير منظورة كلامًا خلته غناء، وكان جانبى أحد رجال الدولة الإيطاليين، فهمس فى أذنى: ما أصلح هذه المسرحية أن يصنع منها أوبرا!».
إننى أتخيل قارئ المقال فى ذلك الزمن البديع، وهو يتابع كاتبه العبقرى مسحورًا ومحلقًا معه فى دنيا جميلة تسمو فيها الروح الإنسانية، وتهفو إلى عالم أسطورى خرافى معايشًا تلك الفنون التى تتآلف وتنسجم لتقديم حالة إبداعية متكاملة صالحة للعرض فى كل مكان وزمان، والدليل «أهل الكهف» فى إيطاليا و«بجماليون» فى ألمانيا.