رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

بخريطة "كنعان".. صهيونية القرن 21 تواصل تزوير التاريخ عبر منصات التواصل الاجتماعي

أرشيفية
أرشيفية

تحت ستار الظلام الرقمي، تنشط حسابات صهيونية في شبكات التواصل الاجتماعي بهدف تشويه الحقائق التاريخية ومحو الهوية الفلسطينية، وذلك من خلال حسابات موثقة وليست لجان إلكترونية فقط، حيث شنت هذه الحسابات حملة واسعة النطاق تستهدف إقناع الرأي العام بزعم أن الفلسطينيين لم يكونوا موجودين على مر التاريخ، وأن الكيان المحتل هو الدولة القائمة منذ القدم على تلك الأرض.

فمنذ بداية شهر ديسمبر الماضي، بدأت عدد من الحسابات الإسرائيلية (فيسبوك ومنصة إكس) تداول منشور موحد حول تأصل جذور الشعب اليهودي وأن دولة فلسطين ليس لها وجود على مرّ التاريخ، والمنشور تداولته حسابات رسمية وأخرى عبارة عن لجان إلكترونية، وأعيد نشره من جديد منذ 24 فبراير الماضي، مرفقًا بخريطة عن شكل المنطقة قبل 2000 عام، متكلين على فكرة ارتباط الشعب اليهودي بصهاينة هذا العصر.

الخريطة التي يتم الترويج لها 

ولكن باستخدام أداة "Tineye" فإن هذه الخريطة تشير إلى أرض كنعان، وهي أرض تاريخية في الشرق الأوسط، وشمال مصر، والتي شملت فينيقيا وفلسطين.

من نتائج أداة "Tineye" 

ومن أبرز الحسابات التي روّجت لتلك الفكرة، "كريم جاهين"، وهو ناشط مدافع عن الصهيونية، انضم إلى منصة إكس -تويتر سابقًا- في 30 مايو 2021، والذي نقل منشوره من حساب آخر يدعى "امتياز محمود"، عرّف نفسه بأنه ملحد صريح، مناهض للإيمان، ومفكر حر، وهو أول من نشر تلك الخريطة ومن بعده بدأت مشاركتها عبر آلاف الحسابات الأخرى.

دراسة: التوراة تؤكد وجود فلسطين 

وبحسب الدراسة التي أعدها إسماعيل حامد، الباحث المصري في تاريخ اﻷديان، ذكر زعم اليهود أن فلسطين (أرض كنعان) هي أرض اليهود وحدهم، وسكنوا فيها الكنعانيين، لكن تأتي التوراة لتكذيبها ادعاءاتهم: "فأخذ أبرام ساراي امرأته ولوطًا ابن أخيه وكل مقتنياتهما وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان، فأتوا إلى أرض كنعان، واجتاز أبرام فى الأرض إلى مكان شكيم، وكان الكنعانيون حينئذ فى الأرض" (تكوين–12).

ومن هنا، فإن النبي إبراهيم "أبرام" أتى إلى أرض فلسطين (كنعان)، ووجد الكنعانيين يسكنون أرضها، ما يعني تأكيد التوراة على نسبة هذه الأرض للكنعانيين، ويؤمن اليهود بأن "إبراهيم"، هو جدهم الأول، وإليه ينتسبون. 

الباحث إسماعيل حامد

مؤرخ مصري: "فلسطين" لم تكن موجودة شكلًا

وتواصلنا مع الدكتور عاصم الدسوقي، المؤرخ المصري، والعميد السابق لكلية الآداب بجامعة حلوان، الذي أكد أن القول بأن دولة فلسطين غير موجودة في التاريخ صحيح شكلًا، وهو ينطبق أيضًا على دول سوريا والعراق ومصر وغيرها من دول الشرق الأوسط، لأنها كانت ولايات تابعة للدولة العثمانية، ومن قبلها الفتح الإسلامي، وقبلها التوسع الروماني، إلى آخره.

وأكد "الدسوقي"، في حديثه مع "الدستور"، أن ما يروجه الكيان المحتل حول عدم وجود فلسطين ما هو إلا حيلة لتبرير زعمهم، فهم يحاولون الترويج لفكرة أن دولة فلسطين لم تكن موجودة فلماذا يريد العالم إعادتها للفلسطينيين.

المؤرخ عاصم الدسوقي

وأشار إلى أن "غزة" في المصادر القديمة موجودة باسم "غزة هاشم"، أي أن قبيلة هاشم بن قريش توسعت إلى الشمال، وقام "هاشم" بغزها بقدمه أي غزوها ودخولها، موجهًا بضرورة قراءة التاريخ في ظروف الزمن نفسه وليس قراءة حالية، مؤكدًا وجود الشعب الفلسطيني في هذه المنطقة لكنه خضع لقوى أكبر منه على مر العصور. 

باحث في علم الوراثة: أصل اليهود إغريقي بنسبة 70%

كما تواصلنا مع المهندس محمد عبدالهادي، الباحث في علم الوراثة والتاريخ، ومؤسس مجموعة "جينوم الشرق الأوسط"، المهتمة بتحليل جينات الشعوب للوصول إلى جذورهم التاريخية، وقال إنه قام بعمل تحليل جيني للشعب الفلسطيني ككل، فوجد فيهم أصول محلية بنسبة 50%، أيضًا لهم تأثر كبير بالمصريين والعرب، فالكتلة الأكبر منهم يمكن اعتبارها شامية.

وأوضح "عبدالهادي"، في حديثه مع "الدستور"، أنه على النقيض، فاليهود أصولهم أغلبها من خارج الشام القديم، ويمكن اعتبار أنهم أجانب الأصل بنسبة تتراوح بين 60 - 70%، ما بين إيطالي وإغريقي وروسي وما إلى ذلك.

المهندس محمد عبدالهادي

خبير جيني: الإسرائيلون المعاصرون أقرب للتركيبة اليونانية

انتقلنا في الحديث بعدها إلى الدكتور محمد إبراهيم الوكيل، خبير جيني، وخبير بقراءة نتائج الفحوصات الجينية، وأكد أنه قام بمقارنة عامة بين أصول الفلسطينيين والإسرائيليين وأقرب الشعوب المعاصرة والقديمة لهم.

أقرب الشعوب المعاصرة للمعدل الفلسطيني هي الأردن

خلصت النتائج إلى أن الشعب الفلسطيني قريب للعينات الكنعانية القديمة في صيدا ومجيدو وحاصور، وهي مدن الكنعانيين، مما يعني أنهم بحالة استمرار جيني مع أسلافهم في أرض كنعان، أما الإسرائيليين المعاصرين فهم أقرب لتركيبة سكان الجزر اليونانية، وهم من أهم القبائل الإغريقية.

أقرب الشعوب المعاصرة للمعدل الإسرائيلي هي اليونان

عالم آثار إسرائيلي ينفي وجود أدلة أثرية على مملكة داود 

ومن جانب الإسرائيليين أنفسهم، أجاب البروفيسور إسرائيل فينكلستين، أستاذ علم الآثار بجامعة تل أبيب، على طلب موقع "هيدان"، وهو موقع علمي إسرائيلي، حول مقالات البروفيسور غيرشون جليل، من جامعة حيفا، التي تربط مملكة فلسطين التي كانت موجودة في أوائل العصر الحديدي بالملوك المذكورين في سفر صموئيل، وبالتالي إثبات ادعائه بوجود مملكة داود، مؤكدًا عدم وجود أدلة أثرية تدعم فكرة وجود مملكة داود العظيمة. 

وأشار "فينكلستين" إلى اكتشافات أثرية في حلب بسوريا تشير إلى وجود مملكة فلسطين في شمال سوريا في العصر الحديدي المبكر، موضحًا أن اكتشافات القدس وأطلال كيفا تعود للقرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد ولا تشير لوجود إمبراطورية إسرائيلية.

وأضاف أن "داود" شخصية تاريخية حكمت منطقة محدودة في الجبل الجنوبي، وأن وصف مملكته الشاسعة يعكس الأيديولوجيات والتطلعات الإقليمية لمؤلفي الكتاب المقدس، مشددًا على عدم وجود ما يستدعي إعادة النظر الجذرية في تاريخ إسرائيل القديم.

البروفيسور إسرائيل فينكلستاين