رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

فين نسختى؟

تعددت إصدارات الكتب وكثرت عناوينها وشهدت الحياة الثقافية سطوع نجوم كثيرة جديدة لامعة في سماء الثقافة والإبداع، وواقع الأمر أن هؤلاء المبدعين من مفكرين وروائيين وشعراء وباحثين وأكاديميين يختلف حالهم عن حال المبدعين في الوسط الفني- الذي نحترمه ونقدر مبدعيه– بالطبع، غير أن مبدعي الكتب ومؤلفيها ليست لهم جماهيرية نجوم الفن الذين يسعى إليهم المعجبون أينما يقدمون إبداعاتهم سواء في دور السينما أو في المسارح ليحضروا عروضهم المسرحية أو حفلاتهم الغنائية.
أما حال مبدعي الكتب- إلا قليل منهم- فهؤلاء لهم شأن آخر، إذ لا داعم لهم ولا جمهور يسعى إليهم ولا منصات متاحة لترويج منتجهم وعرض إبداعاتهم، اللهم إلا ما ظهر في وطننا منذ نحو عقد من الزمان فيما أطلق عليه حفلات التوقيع.
وتلك الحفلات عبارة عن ندوات مفتوحة يلتقي خلالها المبدع بجمهوره في حضرة عدد من النقاد الذين اطّلعوا على عمله الإبداعي، وفيها يدور نقاش حول ما جاء في متن الكتاب ثم تتلقى المنصة مداخلات من الحضور- الذي لم يقرأ الكتاب بعد- تميل غالبًا للمجاملة أكثر من التقييم الموضوعي، وتلك آلية فيها من التشويق ما يحفز الحضور لاقتناء نسخ من الكتاب.
وفي غالب الأوقات يكون للكاتب ولدار النشر مجموعة من الأساليب الترويجية التي تلفت نظر العامة لقيمة الكتاب ولقدر مؤلفه، يتضح هذا من سمعة الكاتب المعروف لو كانت له إصدارات سابقة أو كان أحد المشاهير، أما النجوم الصاعدة الواعدة من مؤلفي الكتب- ومعظمهم من الشباب- فإنهم يروجون لحفلات التوقيع بطرق غير تقليدية وينجح كثير منهم في تسويق كتابه من خلال نجاحه في تنظيم حفل التوقيع وهو حدث تستخدم فيه وسائل التواصل الاجتماعي باحترافية شديدة.
أذكر شابًا لا يعتد به ككاتب معتبر، ولكنه نجح كصانع محتوى على وسائل التواصل ثم تحول فجأة لمؤلف وأصدر كتابًا أو اثنين ومع كتابه الأول نظّم حفلا للتوقيع في معرض الكتاب في إحدى دوراته التي نظمت بأرض المعارض بمدينة نصر قبيل نقله للقاهرة الجديدة، حضر حفل التوقيع هذا آلاف من متابعي البلوجر على السوشيال ميديا، في ظاهرة أحرجت أحد كبار الكتاب حين التقيته مصادفة بالمعرض في ذات اليوم وقد وقف مندهشا من حجم الزحام على حفل المؤلف المغمور، في حين لم يحضر حفله سوى عدد محدود جدا من زوار المعرض العابرين، ولم يبع من نسخ كتابه أكثر من عشر نسخ وأهدى يومها عددًا من النسخ لمعارفه كان لي أن حصلت على واحدة منها.
وفي يقيني أن حفلات التوقيع تلك هي وسيلة مقبولة للترويج للأعمال الإبداعية والتعريف بالمبدعين والتحفيز على العودة للقراءة التي هي فضيلة من الفضائل وواحدة من نعم الحياة، فضلا عن كونها بديلا عصريا للندوات الفكرية التي اختفت من خريطة وسائل الإعلام وتعويض مقبول لغياب الصالونات الثقافية التي أمست قليلة للغاية في واقعنا الثقافي، ومع ارتفاع سعر الكتب وانحسار مشروع "القراءة للجميع" الذي تبنته الدولة لسنوات طويلة برزت على الساحة ظاهرة يمكن تلخيصها في كلمتين هما: "فين نسختي؟"، إذ يتقدم من المؤلف صديق واحد- ليس أكثر- ويسأله عن نسخته المهداة بالطبع.
وتحت ضغط الإحراج يقدم له المؤلف إحدى النسخ، فيتفضل عليه صاحبه ويطلب منه أن يوقع له عليها ومضطرًا يمتثل المؤلف ويكتب عبارة مجاملة لطيفة يكتبها وهو في قمة الغيظ، إذ ضاعت عليه نسخة غالية من عدد قليل تحصّل عليه من الناشر حسب اتفاق استغرق الوصول إليه ساعات وربما جلسات طويلة من التفاوض الشاق المجهد لكليهما حتى اتفقوا على عدد محدد ومحدود يسمح به الناشر لمؤلف الكتاب شريطة أن يهدي تلك النسخ لكبار الكتاب أو النقاد أو الإعلاميين الذين سيروجون للكتاب عن طريق منصاتهم.
وبعد أن يمنح المؤلف النسخة المهداة للرجل اللحوح، يظهر في الأفق شخص آخر يتبعه ثالث ثم رابع مطالبين بنسخهم التي يعتبرونها حقًا مشروعًا وهكذا فلا تمضي سويعات الحفل إلا وقد انتهى صاحبنا المؤلف من توزيع نسخه على السائلين ثم يبحث الرجل عن نسخة يحتفظ بها لنفسه فلا يجد بديلًا سوى الشراء من نسخ الناشر.
أشفق جدًا على مؤلفي الكتب ومبدعيها إذا كانوا ممن يمتلكون حياءً يمنعهم من رفض طلب من يتسول نسخة وأكاد أصرخ في وجه أولئك المبتزين قائلًا: "يا أخي إن كنت حريصًا على قراءة إبداع صديقك فادفع ثمن نسخة ترضيه بها ولا تتسبب له في خسارة مادية تمنعه من تكرار تجربة الإبداع، وروّج للإبداع بقراءته وتداوله وتعويض مبدعه بقليل من المال الذي يشعره بقيمة جهد ووقت وفكر بذلهم حتى أبدع هذا المنتج الفكري وقدّر أن الكتاب صار سلعة غالية الثمن بحكم ارتفاع أسعار الورق وتكلفة الطباعة ورغبة الناشر- المشروعة - في التربح.
لكن التقدير الأهم والأكبر والذي لا يقدّر بثمن هو أنك تقتني بتلك الجنيهات- مهما زادت- عصارة فكر إنسان فكّر وسهر الليالي وخبر الحياة وعاش التجارب حتى صار مؤهلًا لإبداع هذا العمل الذي هو بين يديك وتريده بلا ثمن". وظني أن كثيرين ممن أهديت لهم كتبا، لم يقرأوها . ففي العادة لا يقدّر المرء قيمة شيء لم يدفع فيه ثمنا. أعرف مبدعا كبيرا لا يهديك نسخة من عمل إبداعي جديد له قبل أن يسألك بذكاء شديد في محتوى الكتاب السابق الذي أهداه لك من قبل، فإن نجحت في الاختبار أهداك نسخة من إبداعه الجديد، وإلا فلا نسخة لك منه بعد ذلك وربما لا تكون صداقة بينكما أيضا، إذ يحسبك - وهو على حق- أنك قد أهملت فكره وإبداعه، فكيف له أن يمنحك صداقته؟