رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

تجذُّر ثقافة الاختلاف فى الرأى!

أن يختلف اثنان في الرأي فهذا أمر جار على الدوام وطبيعي تماما، وقد قالوا إن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية؛ أرادوا أن ينبهوا إلى أن الخلاف لا يجب أن يؤثر على حسن المعاملة.. والواقع أنه يؤثر عليها ولو بنسبة ضئيلة، وهذه طبيعة النفوس البشرية، تحب من يوافقها لا من يختلف معها.. على كل حال فإن الناس كانوا يختلفون ويظلون إخوة وأصدقاء مهما حملت النفوس عتابًا أو تضررت من الخلاف، ولكن القصة اختلفت بعد أن تجذرت ثقافة الاختلاف في الرأي، تأصلت وعمقت ورسخت، وصارت مقصودة بذاتها، فليس المهم ما يتم طرحه من القضايا والموضوعات، إنما المهم أن نختلف، وبقوة، حول المطروح، وأن يصل الخلاف أحيانًا إلى حروب ضارية فيفسد المودة في الصميم!
صار الحال هكذا بلا مواربة، أراده من أراده على هذا النحو، ونجح فيما أراد؛ لأن الناس غافلون عن معرفة الشر لتجنبه حريصون على معرفة الخير لحصاده، وفي هذا مقتلهم ما لم يفيقوا، ومن كان أراد أن يصير الخلاف قاعدة لا مجرد احتمال وارد، كان عليما بما يفعله، كان يزرع الفرقة مستغلًا بديهية تمسك كل ذي رأي برأيه، وحساسية كل شخص تجاه مخالفيه، كان يؤسس لخراب كبير شامل تنعق غربانه فوق تلاله.. وإذا كان ذلك الكيان الذي ينشد الفتنة هو عدونا القديم المتربص بنا، أيًا كانت نعوته، فإن العيب، كل العيب، هو فينا إذ استسلمنا لفكرته القبيحة التي جعلتنا ممزقين؛ فلقد صرنا نتجهز لمناقضة الكلام وذم قائليه من بداية سماعه، بصرف النظر عن محتواه وطرق قائليه، ولا نصبر لنفهم بل نعجل لنهدم!
عدونا هكذا منتصر، أيا كان، ونحن منهزمون للأسف، وإذا كانت عداوته تاريخية ولا سبيل حتى الآن إلى محوها بالكلية أو تخفيف حدتها؛ فالخوف كله يكمن في أن نبقى في لهونا الذي معناه عدم التفكر في عداوته للعثور على سلاح نافع يكسرها، ويبدد رزاياها..
في تراثنا قول طيب منسوب إلى الإمام الشافعي، يطمئن به صاحبه الذي يجادله في مسألة من المسائل: رأيي خطأ يحتمل الصواب ورأيك صواب يحتمل الخطأ!
ذلك القول اللطيف، لو أننا تأملناه تأملا ثاقبا واعتمدناه في مجادلاتنا، لكان حلًا
حقيقيًا ينهي مأساة الإصرار على الخلاف، وتصور كل ذي رأي أنه الأصوب في المطلق.. واليقين أن لدينا حلولًا شتى، بامتداد تراثنا العربي الزاخر باللآلئ، وبامتداد حضارتنا المصرية العريقة التي لا مثيل لها في الحضارات.
لقد استغل عدونا الداهية مواقف سياسية واجتماعية معقدة مررنا بها، وأقنع بشرًا غاضبين بيننا، أعماهم الغضب وسلب عقولهم، أن الاختلاف هدف نبيل، يدل على شرف أصحابه، وكأن شيئًا لا يفيد، من الأحداث الفوارة المتشابكة، سوى أن يصبح الوضع دون الالتئام!

  [email protected]