رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«كليوباترا ودون جوان في مصر».. حكايات أدباء روس تناولوا «أم الدنيا» في أعمالهم

محمد نصر الدين الجبالي
محمد نصر الدين الجبالي

في كتابه الصادر حديثًا عن دار دوِّن للنشر والتوزيع، تحت عنوان «الأدب الروسي.. شخصيات وتاريخ وظواهر»، يتحدث الدكتور محمد نصر الدين الجبالي عن مصر في عيون الأدباء الروس.

يقول الجبالي: «اهتم الروس منذ قديم الزمان بأخبار مصر، وجاء ذكرها للمرة الأولى في الأدبيات الروسية مع اعتناق الروس للمسيحية قبل حوالي ألف عام تقريبًا، وكان التصور التقليدي عنها يعتمد بشكل أساسي على ما ورد في الإنجيل، حيث رآها الروس دولة تضطهد المؤمنين، غير أن الأشعار الشعبية الروسية القديمة تحدثت عن مصر بوصفها منبع الحكمة في العالم».

ويشرح «الجبالي» القوة التي ظهرت بها مصر في الأدب الروسي، قائلًا: «استخدم المبدعون الروس نموذج مصر في ثقافتهم؛ للتأكيد على أفكارهم الأساسية فيما يتعلق برؤيتهم للعالم المحيط في هذه الحقبة الزمنية أوتلك، حتى بعد اعتناق الروس للعقيدة المسيحية تم الاستعانة بالميثولوجيا المصرية؛ للتأكيد على حقيقة ومصداقية الدين الجديد، وأنه يمثل طوق النجاة للناس الذين عاشوا قبله لقرون في ظلام اللادينية، وفي الفترة التي سبقت حكم بطرس الأكبر (القرن الـ17) قام عدد كبير من الرحَّالة الروس بزيارة مصر، وقاموا بوصفها في كتب سميت بالأسفار أوالرحلات».

وشهد القرن الثامن عشر عودة مصر بقوة إلى الثقافة الروسية، ولكن هذه المرة عبر بوابة أوروبا، حيث لم تكن اللغة المصرية القديمة قد اكتشفت بعد، واستقى الكتَّاب الروس معلوماتهم من الأدبيات الرومانية والعربية واليونانية التي تحدثت عن الثقافة المصرية والوعي المصري.

القرن التاسع عشر كان هو الأكثر اهتمامًا من الروس بمصر، فشهد القرن التاسع عشر اكتشافات كبيرة في علم المصريات والميثولوجيا المصرية التي أصبحت أكثر استقلالية عن الأفكار السياسية والدينية، وشهدت هذه الفترة اهتمامًا كبيرًا بالثقافة المصرية بعد اكتشاف اللغة المصرية القديمة، وظهر علم المصريات الروسي وتطور بسرعة، وأخذ القارئ الروسي يتعرف على نماذج وشخصيات الآلهة المصرية القديمة في أدبه، وشهدت هذه الفترة زيارات مكثفة للكتَّاب والأدباء الروس إلى مصر الحديثة والتي عاشت فترة تنويرية في بدايات القرن قبل الماضي، ومن أمثلة الأعمال التي تناولت موتيفات مصرية نذكر «أرابيسك» لنيقولاي جوجول و«ليالي مصرية» و«كليوباترا» لألكسندر بوشكين، ومع نهاية القرن العشرين أخذ الأدباء الروس يولون اهتمامهم أكثر بالفكرة الدينية في الثقافة المصرية.

واتسم العصر الفضي في الأدب الروسي والذي يبدأ في تسعينيات القرن التاسع عشر إلى قيام الثورة البلشفية في عام 1917م باستشعار الأدباء والمثقفين قرب حدوث الكارثة، وتوقع سنوات من الفوضى والدمار وهوالأمر الذي ساعد على انتشار أجواء تشاؤمية وانتشار خرافات قرب نهاية الزمان وصاحب هذه الحالة من الترقب لتحولات مهمة الحاجة إلى تجديد التطور الروحاني للمجتمع، والذي كان غارقًا في أزمة الهجوم على العقيدة المسيحية وغياب دور الدين، وانعدام الأمل في إمكانية إنشاء نظام عالمي سليم.

9789778062953

وكان من نتاج ذلك كله أن اضطلعت الطبقة المثقفة في روسيا بالبحث في أصول الحضارات والثقافات والديانات الأخرى فقادهم الطريق إلى الاستغراق في قراءة وفهم الميثولوجيا المصرية في ظل الواقع الجديد، هكذا نلاحظ في تلك الفترة اهتمامًا كبيرًا وتاريخيًّا من قبل الثقافة الروسية بمصر، غير أن بداية القرن العشرين شهدت ظاهرة أقرب إلى الحنين إلى كل ما هوغامض، حيث شرع أدباء العصر الفضي في الأدب الروسي في خلق عوالم فنية تمثل بالنسبة إليهم رمزًا للعالم المثالي والمتكامل (فكان تصوير الشاعر الروسي روزانوف لمصر وجوموليوف لأفريقيا ودوستويفسكي لأمريكا).

صور الأدباء الروس في تلك الفترة مصر بوصفها منبعًا للحكمة، وقد مثلت مصر أهمية خاصة بالنسبة إلى كتاب العصر الفضي بفضل طبيعتها المتناقضة والتي تجمع منتهى الخيال ومنتهى الواقع، وجذبت الديانة المصرية القديمة والتي تضم مفاهيم عن البدايات الأولى وأصل المفاهيم الفلسفية كالموت والخلود والخير والشر والعدل وغيرها اهتمام الأدباء الروس والمفكرين في تلك الفترة، ففي الفترة التي شهدت انتشارًا لأفكار الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في أوروبا أصبح من الضروري البحث عن ممارسات دينية وروحانية أخرى بما فيها الميثولوجيا المصرية القديمة، ومن أمثلة ذلك نذكر قصة «دون جوان في مصر» للكاتب نيقولاي جوموليوف و«الدلتا» و«ضوء الأبراج» لايفان بونين وكتابات فيتشسلاف إيفانوف ودميتري يفيموف وغيرهم.

وقد عثر هؤلاء على بغيتهم في الديانة المصرية القديمة، حيث وجدوا فيها أفكارًا تنسجم ورؤيتهم الشخصية للعالم المحيط، فقدم الديانة المصرية التاريخي أكبر دليل على مصداقيتها، وكان الأدباء الروس يرون مصر بعيون تختلف عن تلك التي يراها بها العلماء حيث كان اهتمامهم مركزًا على أهمية مصر بالنسبة للحاضر والقرن العشرين الذي كان يمثل القرن الذهبي للإنسانية، ففي مصر والميثولوجيا المصرية وجدوا تصورات كاملة عن مفاهيم الأسرة والزواج والرجل والمرأة وجاءت هذه التصورات والأفكار متطابقة مع رؤيتهم وقناعاتهم الشخصية، وانتقد الأدباء والمفكرون الروس وخاصة روزانوف وجوموليوف تناول مصر بوصفها ثقافة وحضارة للموت فحسب وحولوها في كتاباتهم إلى ثقافة حياة ومستقبل، وبذلك خلق الأدباء الروس ميثولوجيا جديدة وخاصة بهم عن مصر.

وأصبحت مصر في الربع الأول من القرن الماضي أيقونة الموضوعات التقليدية والشائعة في الأدب الروسي، والقائمة عامرة بأسماء الكتاب والشعراء الذين تناولوها في كتاباتهم، فهناك كما أسلفنا الشاعر الروسي الشـهـيـر فـاسـيلي روزانـوف (1856 - 1919م)، ومن أشهر أعماله عن مصر» عن الجمال المصري القديم» و«في بلاط الوثنيين» و«موتيفات شرقية» و«مصر» وغيرها، ويصف روزانوف في أعماله الحضارة المصرية القديمة ونمط التفكير عن المصريين القدماء وكذا المعاصرين، وقد اعتبر روزانوف المصريين شعبًا عبقريًّا قي جميع مناحي الحياة سواء الدين أوالأخلاق أوالإبداع الفني، ويرجع الكاتب في أعماله الفضل لمصر القديمة في إرساء أسس التدين في العالم.

والكاتب من خلال إبداعه للنص الميثيولوجي عن مصر فهوفي الوقت نفسه يسعى إلى بناء نموذج للعلاقة بين الإنسان وربه، وقد تشكل هذا النموذج بشكل نهائي في موتيفاته الأسطورية المصرية، ويقدم روزانوف مصر القديمة بوصفها عالمًا مثاليًّا يقارن بينه وبين العالم الواقعي الذي عايشه الروس في فترة ما قبل الثورة البلشفية، غير أن الكاتب على ثقة من أن اللجوء والاستعانة بالحضارة المصرية والديانة المصرية القديمة يمكن أن يساعد العالم المعاصر على الاقتراب من المثالية.

وقد انتقد روزانوف بشدة واتهم بالردة عن الدين نتيجة مساعيه وبحثه المتواصل عن النموذج الأمثل للعلاقة بين الإنسان وربه، وقد ساعدته كتاباته عن مصر أن يكتشف نفسه من جديد ويقدم نفسه كإنسان يسعى؛ للحفاظ على إيمانه المسيحي من خلال بحثه عن أسس جديدة للمعتقدات الدينية، فهويعترف بديانته ولكنه في الوقت نفسه يشير إلى ضرورة إعادة تقييم رؤية الدين إلى مكانة الأسرة والزواج والأطفال في حياة الإنسان.

أما الأديب والشاعر الروسي العظيم ألكسندر بلوك (1880 - 1921 م) فقد تناول في بعض ما كتب مصر القديمة بوصفها رمزًا لروسيا المعاصرة، وقد كانت آخر مؤلفاته مسرحية بعنوان «رمسيس، مشاهد من حياة مصر القديمة» وصدرت عام 1919م، وكانت تلك فترة عصيبة في تاريخ روسيا الحديثة، فقد شهدت نهاية الحقبة الإمبراطورية وبداية العصر السوفيتي الذي لم تكن ملامحه قد اتضحت بعد للكثيرين، وقد اتخذ بلوك من مصر القديمة نموذجًا أسقط عليه واقع روسيا المعاصرة، وهنا يقوم أديبنا برسم لوحة رمزية لمرحلة انهيار الحضارة المصرية يستطيع القارئ بسهولة الربط بينها وبين ما كان يحدث قي روسيا من انهيار لإمبراطورية عريقة.

كاتب آخر كبير في روسيا تناول مصر كثيرًا في أعماله، وهونيقولاي جومليوف (1886 - 1921 م) والذي كانت مصر تمثل له عبر رحلته الإبداعية كلها مصدرًا للإلهام والوحي، واهتم هذا الأديب كثيرًا بعلم المصريات، حيث كانت تربطه علاقة بكبار العلماء والمستشرقين الروس وتعرف من خلالهم على الإنجازات التي توصل إليها هذا العلم، وقد زار مصر أكثر من مرة وأعجب كثيرًا بالقاهرة والإسكندرية، كما زار حديقة الأزبكية التي ذكرها في ديوان صدر له بعد عشر سنوات تحدث فيه عن فضل هذه الحديقة في إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد فترة من الإحباط، ومن أعماله التي تتحدث عن مصر أيضًا مسرحيته الشهيرة «دون جوان في مصر» وصدرت عام 1911، كما ألف الكثير من الأشعار عن أفريقيا عمومًا ومصر على وجه الخصوص، وهناك قصيدة له تحمل اسم «مصر» يتحدث فيها عن الفلاح المصري ومثابرته ونشاطه وحبه للنيل وارتباطه به، وهكذا قدم هذه الشاعر نموذجًا شاعريًّا لمصر في أعماله، وتحدث عن مصر برومانسية أحيانًا وواقعية أحيانًا أخرى.

وترى الناقدة والكاتبة الروسية بانوفا أن الأدباء الروس في النصف الأول من القرن العشرين يرون مصر من منظورهم الخاص وواقع خبراتهم سواء الحياتية أوالدينية كما ترى أن نموذج مصر في الأدب الروسي في القرن العشرين يبدوذا وجهين أولهما ثقافي والآخر ديني.

ودفعت الأفكار عن الموت والخلود والتي انتشرت في بدايات القرن العشرين بالأدباء الروس إلى التوجه للديانة المصرية القديمة ومحاولة فهمها ومن ثم استخدامها كموتيفات في إبداعاتهم، وفي تلك الفترة نجد انصهارًا بين الفهم العلمي والخيالي لمصر وحضارتها وأصبح هناك طرح جديد يجمع بين الاثنين معًا، هذا المزيج العلمي الخيالي في تناول النموذج المصري كان العلامة والسمة المميزة لأدب القرن العشرين عن مصر.

وقد سعي بالمونت وبوريوسوف وميرجكوفسكي وروزانوف وسولوفييف إلى تصوير تاريخ روسيا بوصفة عملية واحدة ومتصلة وربما هذا هوالسبب في بحثهم عن جذور ثقافتهم أن يلجئوا إلى التاريخ القديم بما في ذلك إلى الحضارة المصرية القديمة والتي بدت لهم تملك المعرفة الحقيقية حول أصل الأشياء، حيث يرى بريوسوف على سبيل المثال أن مصر تمثل أصلًا للحضارة الأوروبية كلها.

وفي حين يرى كل من فلاديمير سولوفييف وميرجكوفسكي أن الحضارة المصرية هي أصل العقيدة المسيحية يرى روزانوف أن مصر تمثل نموذجًا مثاليًّا للمضمون الديني والروحاني، وهذه الثنائية تعكس رؤية هؤلاء الأدباء للعالم في تلك الفترة.

وهكذا يمكن القول إن نموذج مصر في الأدب الروسي في القرن العشرين يقع عند نقطة الالتقاء بين الواقعي والميثولوجي، بين المعرفة الحقيقية والخيال، ومن هنا نجد هذه الرؤية المزدوجة للعالم عند تناول الأدباء الروس لهذا النموذج.