رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

لا تسألونى عن هويتى ومرجعيتى وخصوصيتى

هويتك إيه؟.. مرجعيتك إيه؟
تساؤلات الهوية والمرجعية أصبحت متضخمة جدًا فى مجتمعاتنا، وحتى لا نظلم أنفسنا أقول إن على مستوى العالم كله، هناك تركيز مبالغ فيه على قضية الهوية ومسألة الرجعية.
لكن الأمانة تقتضى الاعتراف بأن الكلام عن "الهوية" أو "المرجعية" فى مجتمعاتنا أصبح أكثر مما سبق هاجسًا متشددًا، يلقى بظلاله على أفكارنا وسلوكياتنا.
"يجب الحفاظ على هويتنا المصرية".. "ننفتح على التنوع دون المساس بخصوصيتنا".. "لا بد من محاربة طمس الهوية".. "دور الثقافة والفن فى تأكيد الهوية المصرية".. هذه مصطلحات تتكرر دائمًا، نسمعها، ونقرأ عنها، ويدور حولها الجدل فى برامج إعلامية وندوات محلية ومؤتمرات عالمية.
"الهوية" كلمة من الكلمات التى أكرهها، وأتمنى أن تزول من الفكر الإنسانى، وليس عندى شك، أن كلمة "الهوية" هى وراء جميع أشكال ودرجات القهر والاستعباد وغسيل الأدمغة وتبرير الأفكار الفاشية والعادات والتقاليد منتهية الصلاحية للاستهلاك البشرى السوى الصحى.
"الهوية" مصطلح إرهابى فى المقام الأول، ممتلئ بالغطرسة والتعالى والتعصب والوصاية والجهل المقصود أو غير المقصود.
لا أدرى، ما الهوية، أو الخصوصية، التى نحميها؟ هل يكون مثلًا، الفول المدمس، أو الفسيخ، أو عصير القصب، هي "هويتنا"؟ هل تحجيب أو إخضاع النساء، أو جرائم الشرف هي "خصوصيتنا"؟
هل فتوى دار الإفتاء المصرية بجواز ترقيع غشاء البكارة، "هويتنا" التى نتشبث بها ونحميها من الاختراق و"الفض"؟
هل "طاعة النساء" للذكور "خصوصيتنا" غير القابلة للنقاش أو المساءلة، والتى نضعها تاجًا فوق رءوسنا؟
هل "أسلمة أوروبا" جزء من هويتنا رضى الله عنها وأرضاها؟ هل إدانة غير المسلمين بالكفر والضلال والانحلال والفجور والفسق من مكونات أصالتنا وخصوصيتنا؟ هل شهوات الذكور المنفلتة ورغباتهم الأنانية ونزعات التملك الضاربة فى وجدانهم وبها نبرر تكفين النساء وهن أحياء، هويتنا؟
حقًا لست أدرى ما هى "الهوية"؟ وأجهل فعليا ماذا تعنى كلمة "الخصوصية"، هل عندما أستمع إلى أم كلثوم، وعبدالوهاب وعبدالمطلب أكون قد حافظت على هويتى المصرية؟ ولكن عندما أستمع إلى فرانك سيناترا ودين مارتن ومات مونرو وأديث بياف وشارل أزنافور وإنجل بيرت وشيرلى باسى وأندريه بوتشيلى، أكون قد تنازلت عن خصوصيتى المصرية؟
عندما أشرب الكوكاكولا وأتناول البيتزا وأعشق أفلام هيتشكوك وكلود ليلوش وفيللينى وهنرى كينج ومارتن سكورسيزى، أكون قد خنت هويتى الأصلية.. أو تهاونت فى حق خصوصيتى؟
وهل استمتاعى بتمثيل جريجورى بك وشارل بوييه وجارى كوبر وجيمس ستيوارت وبول نيومان وأنتونى هوبكنز وهيدى لامار وبيتى ديفيز وجون فونتين وكيم نوفاك، يعد خيانة عظمى للهوية؟
وإذا حرصت على قراءة واقتناء مؤلفات جورج برنارد شو وفرويد وإريك فروم وكولن ويلسن وهربرت ماركيوز وسيمون دى بوفوار وألبير كامو، أكون متلبسة بفعل يضرب الخصوصية فى مقتل؟
وهل داليدا المغنية العالمية، والتى أصلها من مصر من شبرا قد باعت هويتها وكذلك عمر الشريف الممثل العالمى وأصله من مصر من الإسكندرية، هل هو خائن للوطن؟
وهل اهتمامى بالشِّعر والرقص الإفريقى وبالأدب فى أمريكا اللاتينية يشير إلى ضياع خصوصيتى وذوبان هويتى؟
إن الهوية كما أراها هى مزيج من أشياء كثيرة متنوعة، لا نستطيع أن نفصل عناصرها، إن الهوية الثابتة النقية الخالصة المعقمة غير ممكنة.
الهوية ليست صفة أو كتلة ثابتة نسد بها خانات الأوراق الرسمية، وهى ليست قطعة حجر محنطة لإبهار الأفواج السياحية فى المتاحف، الهوية عملية ديناميكية وحركة متجددة مع تجدد الحياة ومع تغير الناس.
قال الفيلسوف هيرقليطس "٥٤٠ ق. م- ٤٨٠ ق. م" مقولته السحرية الثرية: التغير هو الثابت الوحيد.
لكن التغير المستمر عند غالبية البشر يقلق ويفزع ويهدد، لأن غالبية البشر لا يثقون بأنفسهم ولا يقرأون التاريخ ولا يستخدمون عقولهم فى التفكر والتأمل والانفتاح.
من هنا يأتى البحث عن هوية ثابتة، تعطى الأمان المزيف وخصوصية "محصنة ضد التغير" تمنح الطمأنينة الوهمية.
كل حديث عن الهوية والخصوصية يتضمن بالضرورة شعورًا بالاستعلاء والغطرسة والتعصب الجاهل الجامد والرغبة فى السيطرة وإخفاء العيوب والسلبيات والأمراض المتوطنة المزمنة.
باسم "الهوية الألمانية" النقية وتحت عنوان "خصوصية الجنس الآرى الأرقى" وتحقيقًا لما سماه "العِرقية النظيفة" أو التطهير العِرقى والقومية، وهوية الانتماء الأصيل أشعل هتلر "٢٠ أبريل ١٨٨٩- ٣٠ أبريل ١٩٤٥" الحرب وقتَل الملايين من المدنيين والعسكريين.
وصلت التيارات الإسلامية التكفيرية الجهادية إلى الإرهاب المتوحش نتيجة البكاء على الهوية الضائعة، حيث تشكل استعادة الخلافة الإسلامية استعادةً "للهوية المفقودة".
باسم "الهوية الدينية" و"الخصوصية الثقافية" تدفع الدول المتحالفة مع التيارات الدينية الملايين لزخرفة وترميم وصيانة المبانى الدينية وأضرحة الأئمة وجميع أشكال ما يسمونه "التراث الاسلامى" بينما لا يدفعون شيئًا لبناء مستشفيات مجهزة لعلاج الفقراء والبسطاء.
باسم الهوية الإثنية العِرقية والخصوصية الطائفية والقبلية، يتم تقسيم الدول إلى ولايات ودويلات ومقاطعات وشمال وجنوب، وباسم الخوف من ضياع الهوية خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وتحت عنوان الخصوصية الكتالونية، تريد كتالونيا الانفصال والاستقلال عن إسبانيا.
العدالة، الحرية، المساواة، الصدق، الكرم، التضامن، النبل، التعاون، الانفتاح، هذه المعانى السامية التى يجب أن تحل محل الهويات، وهذه هى القيم العليا التى يجب أن نتشبث بها ونحميها من محاولات الطمس ومخططات الإبادة تحت أسماء براقة مخادعة.
صفحات التاريخ تؤكد أن الحضارات والثقافات التى عرفها الجنس البشرى على مدى الأزمنة "كوكتيل" ممتزج المكونات وأن أى حضارة تقدمت كان تقدمها بسبب هذا "الكوكتيل" وأى حضارة تجمدت كان ذلك بسبب حديث "الهوية".
إن حديث الهويات، حديث فاسد، مخوخ، فارغ، أجوف، فقير الشكل، عنيف المحتوى، لا يخدم إلا التفرقة بين البشر وبين الدول.
أجمل البشر، نساء ورجالا، فى رأيى وحسب هذا المنطلق هم منْ لا هوية لهم أو لنقل أن "هويتهم" ممتدة، ذائبة، وقديمة قدم البشرية نفسها، وجديدة، متجددة، متغيرة، مثل تغير الهواء وأمواج البحر وقصص العشق.
بلا هوية بدون مرجعية ولا خصوصية هكذا أزهو. 
من بستان قصائدى
بيدى أنتزع قلبى 
من بين ضلوعى 
أتعبنى خذًلنى أجهدنى  
زحفت تجاعيده على وجهى
وأخيرًا أوصلنى بالإسعاف  
إلى العناية المركزة  
أعتصره نزفًا وكلمات وآهات
لا الكلمات تبوح بكلمة الِسر
ولا الآهات تفك ألاعيب السِحر
ولا إلهام يداعبنى لأكتب الشِعر