رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

طفولة حسن حنفى: الفتوة نفيسة كانت في شارعنا ولهذا السبب كرهت الشيوخ

حسن حنفي
حسن حنفي

في كتابه ذكريات 1935/2018، الذي نشر 2018 عن الجمعية الفلسفية ذكر المفكر د.حسن حنفي مشاهد من طفولته في حي باب الشعرية بجوار المسجد الذي كان يؤذن فيه الموسيقار محمد عبد الوهاب.

جامع الشعراني

يقول حسن حنفي:"أنا من مواليد ١٩٣٥حي باب الشعرية الذي به جامع الشعراني الذي كان يُؤذِّن فيه محمد عبد الوهاب. ومن شارع الجيش الشارع الرئيسي في باب الشعرية الذي يربط بين العتبة والعباسية، يتفرع منه شارع البنهاوي الذي به جامع البنهاوي الذي يصل إلى باب الفتوح ثم باب النصر، وتتفرع من وسطه تقريبًا حارة درب الشرفا ثم عطفة العبساوي والمنزل رقم ٤ الدور الأول فوق مخازن السحار للبقالة. عنوانٌ طويل مُقارنةً بالعناوين الطبقية الأخرى، رقم المنزل واسم الشارع ثم اسم الحي كما حدث بعد ذلك في ١٦٧ شارع الحجاز، مصر الجديدة. وكنت أستحي من هذه العناوين الطويلة التي بها الدُّروب والعطفات. 

يضيف: "كنت أذهبُ إليه بين الحين والآخر؛ أذهب لرؤية البيت الذي وُلِدتُ فيه، والشقَّة التي قَضيتُ فيها طفولتي وصِباي قبل سفري إلى فرنسا. وما زلت أحلم بها وبِسُطوحها الخاص وجَملُوناتِه الخشبية التي كانت سَقفَ مخازن السحار للبِقالة، وكنت أَنزعُ قعدتها الخشبية السوداء لعمل «عوَّامة» التي يسير بها الأطفال. رِجلٌ فوقها، ورِجلٌ أخرى على الأرض ترفعها بعد تركيب عجلتَين صغيرتَين، أمامية وخلفية، ومتصلة بين العمود الرأسي والقاعدة الأفقية، تربطهما مُفصَّلةٌ، على أحسن تقديرٍ للانحراف بها يمينًا ويسارًا مثل دريكسيون العربة.

نفيسة الفتوة

كان في وَسَط الحارة امرأةٌ فُتوَّة، نفيسة، يخشاها الجميع، ولم أكن أعرف لماذا؟ وهي طويلةٌ بيضاءُ مثل تحية كاريوكا في فيلم «سمارة» و«عفريت سمارة». في يديها صِيغةٌ من اليد إلى الكوع، تجلس على باب المنزل أكثر مما تعيش في شقتها. 

كان في آخر العطفة ميدانٌ مُغلَق، سكانه أكثر رقيًّا، كان لي فيه أصدقاء لم يعيشوا طويلًا في صداقاتهم. وكان جمال إسماعيل في الخديوية الثانوية يأتينا لزيارة فريق التمثيل في خليل أغا الثانوية، وكان أخي أحد أعضائها، يتحدثون عن التمثيل، وكان العزبي يُغنِّي، واستَمرَّ جمال إسماعيل في التمثيل، وتحوَّلَت الهواية إلى مهنة، أمَّا أخي فاستمر في السلك الجامعي، وكان أبو زهرة مع هذا الفريق، وأنا مثله تركتُ الموسيقى إلى الدراسة.

لهذا السبب كرهت الشيوخ

وكنا ونحن صِغار في سِن ما قبل المدرسة نلعب في الحواري والشوارع، وكانت اللُّعبة المُفضَّلة لدينا في ذلك الوقت «العوَّامة» وتتكون من عمودَين من الخشب؛ واحدٍ أفقي نضع عليه رجلًا والأخرى تدفع بها على الأرض، والثاني رأسي في آخر خشبةٍ أخرى أصغر مثل (الدركسيون) وعجلتَين رولمان بلي؛ الأولى أمامية والثانية خلفية. وإذا كان الطفل ميسور الحال وضع عجلةً أخرى، الأولى يمينًا، والثانية يسارًا. 

وإذا كان ميسورًا أكثر ربط العمودَين بِمُفصَّلةٍ حديدية تسمح بالتحوُّل يمينًا أو يسارًا. وكان في سطح المنزل الخاصِّ الذي تحته مخازن السحار جَمَلُوناتٌ للضوء مُحمَّلة على عواميدَ خشبية، فكنتُ أخلع عمودَين وبالتالي يكتمل جسم العوامة. 

كُنَّا نلعب بها منذ ساعات الفجر الأولى، والشوارع خالية. وفي صباحٍ باكر قام شيخٌ جليل ذو ذَقَن بيضاء وفي يده شيشةٌ من على الكرسي على رصيف المقهى وجرى نحوي وأخذ العوَّامة ورَفعَها ثم ضربها على الأرض فتَفتَّتَت؛ فقد صلَّى الفجر وأراد أن يجلس على المقهى في هدوء ويُدخِّن الشيشة، وهؤلاء الأطفال يُسبِّبون الصَّخَب له. فمُنذُ ذلك الوقت كَرِهتُ المشايخ ونِفاقَهم، والدينَ الذي لا يرحم. 

كيف لي أن أُصلح العوَّامة من جديد؟ واللعبة الثانية أن شقَّتنا كان بها غُرفةٌ تُطِل على سطح مخازن السحَّار، فإذا كنا مَيسورِين نلبس قباقيبَ عَجَل ونسير في السطح، وفي وسط العام الدراسي نأخُذ كُتبنا للمذاكرة هناك. وعندما قام الصراع بين الإخوان والثورة في ١٩٥٤م أخفيتُ منشورات الإخوان في إحدى مواسير الحائط حتى اكتَشفَها والدي وأَخذَها وحرقها خوفًا عليَّ، وانتابني حُزنٌ كبير.

كانت العلاقة بين سيد وعبد

وأرسلني والدي إلى الكُتَّاب في سن الرابعة لأن الحكومة لا تقبل في المدارس الأولية قبل الخامسة، وكان الكُتَّاب يُسمَّى باسم مدرسة «الشيخ سيد»، ويقع في آخر درب الشرفا، عطفة العبساوي. صالة في الدور الأرضي مفروشة بالحصير، تُستخدَم للصلاة أيضًا. وكانت التكاليف رغيف خبز وطبق مُخلَّلٍ بشرابه أو طبقَ سلطة. وكان التدريس بطبيعة الحال تحفيظ القرآن، وتعليم بعض قواعد اللغة العربية، وعلامات الإعراب. 

وكان الجلوس على الأرض تربيعًا وحافِين. والأطفال بالجلابيب مثل الشيخ بالجُبَّة والقُفطان والعِمَّة وكان صوتُ الأطفال جماعيًّا مُرتفعًا حتى يُسمِع الحاضرُ الغائب. وبمجرد أن ينتهي الدرس يُهرَع الأطفال بالخروج إمَّا لِلَّعِب أو إلى أهله.

كانت عيون الشيخ تَروغُ يمينًا ويسارًا إذا ما أَحضَرَت الأُم طفلها بنفسها، وسَلَّمَته للشيخ كأمانةٍ فتقترب من الشيخ أَكثرَ فأَكثر، ولا ينسى الشيخ أن يُبلِغ السلامَ لأُم الطفل مع ابنها في نهاية الأسبوع أو بدونها. لم أَستسِغ هذه الطريقة، ولم أستطع أن أُكمل الكُتَّاب، ولا طريقة الشيخ في تحفيظ القرآن، ولا العصا (الخرزانة) التي في يده، ولا صَمْتَ الأطفال إلا من صوت ترديدِ آيات القرآن وراءه، ولا هذه العلاقة بين السيد والعبد؛ علاقة العصا. فقَدتُ اللعِب، ولم أجِد شيئًا أفضل منه؛ حارةٌ مسدودة، وعقلٌ شارد، ولكن القلب ما زال ينبض.