رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

القومية المصرية


وانتصرت القومية المصرية فى ثلاث ساعات، انتصر البشر وانتصر الحجر وانتصرت الحضارة وانبهر العالم وعاد لأذهان المصريين عنفوان الأمس وتاريخهم الملىء بالإنجازات والإبهار الذى يحكيه الحجر محفورًا ومنسوجًا فى حكايات.
فقد عرف المصريون الإبهار منذ فجر التاريخ، أبهروا العالم مرات ومرات خلال عصور وحقب، وظن البعض أن مقدرتهم على النجاح والإبهار انتهت وانحصرت فى حقبة الماضى السحيق حتى أبهر المصريون العالم فى تحطيم خط بارليف وإسقاط الساتر الترابى المنيع، أسقطه المصريون بخراطيم المياه فى عبقرية هندسية لم تخطر ببال من شيده، وأبهروا العالم بعبورهم الضفة الأخرى فى ست ساعات.
سقطت جيوش وأمم ودول عريقة فى مغبة الحروب والتطاحن، وعانت من ويلات الإرهاب وما قام به الإسلام السياسى من تخريب لها ولبنيتها الأساسية، فأبهر المصريون العالم بثورة الثلاثين من يونيو وأسقطوا حكم المرشد، وما زال الفقيه يحكم أممًا أخرى عريقة، وما زالت الجماعات الانفصالية تدمر وتحرم فى بلدان أخرى كان لها تاريخها وعراقتها، أبهر المصريون العالم فى انتصارهم على قوى الشر ونجوا ببلادهم خارج تلك الدوائر الجهنمية، وفر المخربون إلى خارج البلاد، وصار التيه ملاذًا لهم والحيرة والخوف والترقب عنوانًا يوميًا كبيرًا لحيواتهم يعيشونها ليلًا نهارًا، وفى ذلك الحين ورغم جميع محاولات هؤلاء البائسين البائسة فى الخارج للتخريب، والتى باءت جميعها بالفشل، كانت مصر تبهر العالم بإنشاء مدن جديدة وخطوط للسكك الحديدية وطرق، وتخطط وتعمر وتحفر قناة أبهرت العالم لتصبح مركزًا ملاحيًا عالميًا استطاع أبناؤه إنقاذه وإنقاذ السفينة الجانحة بسواعد مصرية، وفى أيام معدودات لينبهر العالم بمقدرة مصر والمصريين على تخطى الأزمات وعلاجها بدأب وصبر وجلد يظهر دومًا معدن المصرى الأصيل وقت الأزمات.
ثم وقف الخلق جميعًا ينظرون كيف يبنى ويعتز المصرى بأمجاده وأمجاد أجداده، فوقف العالم ليشهد مرور موكب مهيب مر فيه ملوك مصر عبر حقب وهم محمولون فى مراكبهم الشمسية، وقرعت لهم الطبول، وأطلقت المدافع تحياتها لمرور ملوكها الكرام، وأُنشدت لهم ألحانهم القديمة العذبة بأصوات وبأنامل مصرية مبدعة تمارس الاحتراف بإتقان واتزان وجدية ودأب يفيض إبداعًا وانضباطًا فأبهر المصريون العالم بأدائهم المنضبط وإبداعهم الذى تأكد وتأكد الجميع من أنه لم ينضب، وأنه جين أصيل ومتأصل فى الشخصية المصرية سرعان ما يطفو على السطح ويصبح واضحًا للعيان ولمن يعى ويسمع حينما تسنح له الظروف.
كل تلك العوامل والظروف أكدت على عمق وتأصل مصر الفرعونية فى جين ومكونات الشخصية المصرية، فهى شىء أصيل ومتأصل داخل مكنون المصرى أخرجها موكب أجدادنا الذين عبروا الطريق الذى مُهد لهم ليستقروا فى مكان جديد، وكان موكب مرورهم بمثابة إفاقة لنا جميعًا، وليس مجرد حدث عالمى مهيب.. إفاقة أدركنا من خلالها أهمية وأصالة ما غفلناه لسنين بسبب رياح التصحر وما فعلته الأيديولوجيات من شروخ فى الروح والشخصية المصرية التى مر عليها الكثير، وكانت دومًا تُؤثر ولا تتأثر، فمصر حاضنة غير طاردة، وتمصر دومًا من يأتى إليها ويعيش على أرضها.
وبعد أن ذبلت قليلًا وزال أثر تلك التأثيرات الضارة التى أضرت لسنين بالروح المصرية ولو قليلًا، ظهر المعدن النفيس، وأفرج عن الروح المصرية التى نفضت الغبار والأتربة التى تراكمت عليها، فلمعت وتوهجت وأبهرت العالم بأصالتها وعنفوانها الآخاذ، وجاء كل هذا الإبهار ليعلن عن نهاية مرحلة مظلمة ما هى إلا جملة اعتراضية فى تاريخ مصر العريق وبداية صحوة حضارية وتقدمية مدعومة بمدد وعون من أجدادنا وما أمدونا به من ميراث وتراث عريق جعلنا نستفيق ونستحضر كل ذلك الزخم المتراكم لحقب وعهود لنُعلى من شأن قيمة حضارية وتاريخية وإنسانية تقول وتنادى بالقومية المصرية، وجعلها هوية ومرفأ ومرتكزًا جديدًا تتكئ عليه الشخصية المصرية فى عبورها الجديد نحو المستقبل، ولقد كان وعى الإدارة السياسية الحالية حاضرًا فى مصر ومنذ سنوات، لذلك فاستدعى صناع القرار، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، كتاب المصرى القبطى الراحل الدكتور ميلاد حنا «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية»، وكان محورًا رئيسيًا فى إحدى دورات مؤتمر الشباب فى شرم الشيخ، بل وتنبه الرئيس لأهمية العمق والبعد المتوسطى للشخصية المصرية، فكانت احتفالية ومؤتمر «العودة للجذور»، والتى حضرها سيادة الرئيس بنفسه، إيمانًا منه آنذاك بأهمية البعد المتوسطى والكوزموبيليتانى لشخصية مصر، وبالطبع يعى ويرى الجميع ما يقوم به الرئيس والإدارة السياسية المصرية من أجل استعادة البعد الإفريقى لمصر حاليًا، وأن تصبح مصر هى بوابة إفريقيا، وليس فقط فض النزاع القائم حاليًا مع إحدى دول حوض النيل حول مياه النيل، وهى حرب ستنتصر فيها مصر وستبهر العالم أيضًا عسكريًا أو دبلوماسيًا، فعمر النور فى الدنيا يؤرخ له بعمر النيل.
ولكن ما أود التأكيد عليه الآن هو إدراك عميق ووعى حقيقى من القائمين على شئون البلاد بأهمية تلك الأبعاد الثلاثة التى ذكرتها لمصر «البعد الإفريقى والمتوسطى وبالطبع البعد الفرعونى»، والأخير هو جين مصر ومصدر قوتها الأزلى ومرتكز لا يستهان به تتمركز حوله مصر لتنطلق للعالمية من منتهى الخصوصية، وتجمع بذلك بين أصالة الماضى والحاضر والتطلع للمستقبل المعاصر بركائز ثابتة.
إنه الأوان يا سيدات ويا سادة، أوان الصحوة المصرية، أوان صحوة الأمة المصرية والإعلاء من فكرة الهوية والقومية المصرية لتتوارى ولو قليلًا غيرها من الهويات بعد أن كان لها وللأسف الصدارة، بل وطغت على هويتنا الأم، وبالتالى تزول الأيديولوجيات التى دمرت دول الجوار تدميرًا ممنهجًا كان مرتبًا لمصر، ولكن وبفضل روح مصر القديمة لم يطالها أذى أو سوء، وخطط المصريون لضحد ذلك المخطط، ووقفوا له بالمرصاد، ووقف رئيسهم منذ أيام لاستقبال مومياوات ملوكه وأجداده وقفة إعزاز وتقدير وتكريم وإجلال مستحقة لملوك عظام من ابن وحفيد بار يعى تمامًا قيمة وقامة من زرع وحصد قبله وعلى أرضه وفى بلاده علومًا وفنونًا وتشييدًا وبناءً وحكمة ما زالت تضلل علينا، ويستكمل ابن مصر البار اليوم مشوار التشييد والإعمار ماضيًا نحو المستقبل، محملًا بمجد الماضى ومحافظًا أمينًا عليه.
لقد تحدثت مصر عن نفسها قبل أن يتحدث عنها أحد، تحدثت مصر وفاضت بفيض الفن والإبداع والإبهار، فصمت الجميع واستمعوا لها وشاهدوها وهى تبنى مجدًا جديدًا يضاف لأمجاد الماضى، ويستشرف الغد القريب المفعم بعبق الماضى وصحوته لتعلو القومية المصرية فوق أى شىء وفوق الجميع وفوق أى اعتبارات.
عاشت مصر وتحيا مصر وتحيا القومية المصرية حتى آخر الزمان.