رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 02 شوال 1441
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

من الأدب الرهبانى الحديث «1»

الثلاثاء 07/أبريل/2020 - 08:19 م
طباعة

فى نحو عام ١٩٥٠ قام شاب فى مقتبل شبابه يحمل اسم «نظير جيد» بكتابة رواية رائعة بفكر رهبانى عالٍ جدًا مليئة بالمشاعر الصادقة لحقيقة الحياة الرهبانية فى الدير. سجل روايته بعنوان «أبونا أنسطاسى»، وقام بنشرها بمجلة «مدارس الأحد»، التى كان هو يرأس تحريرها فى ذلك الوقت. وفى ١٨ يوليو ١٩٥٤ توجه للرهبنة بدير السريان العامر ببرية شيهيت «أى ميزان القلوب» بوادى النطرون. هذا الراهب صار فيما بعد البابا شنودة الثالث «١٩٢٣ - ٢٠١٢» البطريرك الـ١١٧.
ولأن الرواية بها بعض المصطلحات الكنسية، فسوف أقوم بشرح معانى تلك المصطلحات قبل أن أبدأ فى عرض الرواية.
«تونية»: هى الزى الأبيض الذى يرتديه الراهب والكاهن والأسقف عند صلوات القداس بالكنيسة، وأيضًا هى التى يرتديها الراهب والكاهن والأسقف عند انتقاله من هذا العالم. «طافوس»: هى كلمة يونانية تعنى المدفن، وما زال هذا الاسم مُستخدمًا فى جميع أديرتنا القبطية. اسم «أنسطاسى» باليونانية يعنى «قيامة» والاسم المؤنث «أنسطاسية».
كما ورد فى الرواية اسما اثنين من قديسى الكنيسة، وهما: القديس «أرسانيوس» «٣٥٠ - ٤٤٠م» والكنيسة تُلقبه بـ«مُعلم أولاد الملوك». ومن أمره أنه وُلد بمدينة «روما» الإيطالية. ثم استدعاه الإمبراطور «ثيؤدوسيوس» الكبير لتعليم ولديه «أوناريوس» و«أركاديوس»، فعاش فى القصر الملكى لتعليم الابنين. فى عام ٤٠٠م ترك روما وتوجه إلى الإسكندرية ومنها لبرية شيهيت حيث عاش راهبًا بدير البراموس. وكان شعاره الذى وضعه أمامه طوال حياته: «أرسانى أرسانى.. تأمل فيما خرجت لأجله». والاسم «أرسانى» هو الاسم القبطى لـ«أرسانيوس» الذى هو باليونانية.
والقديس الآخر هو «بيجيمى» وهو من الآباء السواح الذين عاشوا فى الجبال والمغاير وشقوق الأرض، وقد وُلد ببلدة «فيشا» ويُقال إنها تابعة للمحمودية الواقعة بمحافظة البحيرة.
وأبدأ الآن بعرض الرواية كما سجلها كاتبها وذلك على حلقتين:
اندهش أبونا أنسطاسى جدًا عندما استيقظ فأحس كأن لفافة فوق وجهه، فرفع يده ليبعدها عنه فسقط شىء من يده فتحسسه فإذا هو صليب. كان الظلام يسود المكان وتعجب أبونا أنسطاسى من هذا جدًا!! لأنه تذكر أن نافذة قلايته كانت مفتوحة عندما رقد لينام وأن نور القمر كان يتخلل المكان ويضىء الغرفة ثم ما هذه الرائحة العجيبة التى يشمها؟ حاول أن يعرف سرها فلم يستطع!! رائحة تشبه رائحة الموتى!! وكان بعض الوقت قد مر عليه وقد ألفت عيناه الظلام فدقق النظر جيدًا لعله يبصر. وهنا وقف شعر رأسه فى خوف وفزع واضطرب جسده كله فوضع كفيه على عينيه لعله يزيل المنظر من أمامه ولكنه لما رفع يديه وجد المنظر كما هو أكوام من العظم فى بعض الأركان وأجساد مسجاة حواليه على الأرض وكل جسد منها يرتدى «تونية» بيضاء وعلى وجهه لفافة وفى يده صليب ولا شك أنه «طافوس» الدير.
وهنا تملكه خاطر عجيب حاول أن يبعده عن نفسه فلم يستطع وبحركة لا شعورية نظر إلى ذاته فوجد أنه أيضًا يلبس تونية بيضاء وكان ما استطاع أن يراه من شعر لحيته أبيض كله ولم تكن فيها من قبل سوى ثلاث أو أربع شعرات بيضاء، أدرك الحقيقة المذهلة أنه فى طافوس الدير. فما الذى حدث له؟ هل مات حقًا وأقامه الله من الأموات.. أم وقع رهبان الدير فى خطأ وظنوه ميتًا فدفنوه.. أم هناك تعليل ثالث؟ إنه لا يعرف، ومع ذلك فهناك حقيقة خطيرة واضحة أمامه وهى أنه على الأقل ميت فى نظر الناس. وعرف أيضًا حقيقة أخرى وهى أنه لا يستطيع أن يخرج عن هذا الوضع، إذ كيف يمكن للناس أن يروا أمامهم ميتًا قد دفنوه بأنفسهم!! أعصابهم لا تحتمل وعقولهم أيضًا لا تحتمل، إذ عليه أن يقضى بقية حياته كميت داخل الطافوس.
كانت هذه تجربة جديدة عليه فى الحياة كيف يمكن أن يحيا هكذا فى أول يوم تعب تعبًا شديدًا كانت الرائحة كريهة ومنتنة ولا يستطيع أن يتحملها، ولكنه قال فى نفسه: المفروض أننى تركت تنعمات العالم وعلىّ أن أحيا هكذا. وتذكر قصة الأنبا «أرسانيوس» عندما كان يترك الماء الذى يبل فيه الخوص دون تغيير حتى ينتن ويقول إن تلك النتونة عوض عن الروائح الطيبة التى كان يتمتع بها فى القصر الإمبراطورى. وما لبث أبونا «أنسطاسى» أن تعود هذا الموضع أن يحيا وسط العظام وأن يحتمل تلك الرائحة ويألفها. بقيت أمامه مشكلة الطعام كيف يأكل؟ لم يكن لديه فى الطافوس أى نوع من الطعام وما كان ممكنًا أن يجلب أطعمة من الدير ويحفظها. إنما كان يخرج كل ليلة فى الظلام حوالى منتصف الليل ويأكل بعضًا من الثمار أو الخضروات الموجودة فى حديقة الدير أو بقية أكل فى إناء نسى الطباخ أن يغسله، أو مجرد خبزة وقليل من الملح وذلك يكفى ثم يقضى اليوم كله صائمًا حتى يحين نصف الليل مرة أخرى وهكذا.
وقضى سنوات طويلة لم تبصره فيها الشمس آكلًا. وفى الواقع لم تبصره الشمس على الإطلاق. وطبعًا لم تكن لديه فى الطافوس أى أدوات أو أوانٍ، وهنا تذكر أبونا أنسطاسى كيف كان يحتفظ فى قلايته بعشرات المعدات فى المطبخ وبألوان من الأطعمة والأوانى. أما الآن فليس لديه شىء منها وهو يعيش من غيرها جميعًا كما كان يعيش القديس الأنبا «بيجيمى» السائح دون أدوات على الإطلاق فى مغارته. وهنا شعر أبونا «أنسطاسى» بخجل من حياته الماضية. بدأ ضميره يوبخه كيف كان وهو راهب يحتفظ بأشياء كثيرة، كانت تبدو ضرورية أمامه فى ذلك الحين، وقد ثبت الآن عمليًا أنه استطاع أن يعيش من غيرها. وهنا تذكر عشرات الأدوات الأخرى التى كان يستخدمها فى قلايته فى ذلك الزمان: من أدوات مكتب وأثاثات وصور وملابس وأغطية ونثريات عديدة لا تدخل تحت حصر.
وانتبه ضميره كثيرًا على ذلك كله ما معنى الفقر الذى كان قد نذره يوم رسامته؟ أين فضيلة التجرد؟ وهنا بحث مع نفسه مشكلة الضروريات والكماليات أنها، ولا شك، مسألة نسبية تتوقف على مدى تجرد الشخص وتقييمه للاحتياجات. أما الآن فقد استطاع أبونا «أنسطاسى» أن يحيا فى الدير وهو لا يملك شيئًا على الإطلاق فى حياة تجرد كامل حتى القلاية المسكن الخاص. إنه يحيا الآن فى الطافوس ولا يستطيع أن يعتبره قلايته الخاصة، إنه غريب أيضًا حتى فى هذا المكان. فى حياته الأولى كانت له قلاية ومحبسة ولا يستطيع أحد أن يدخلها دون إذنه، يغلقها ويفتحها كما يشاء بمفتاح يحتفظ به معه. أما الآن فإنه لا يملك التصرف فى المكان الذى يعيش فيه لو أدخلوا عليه شخصًا جديدًا لا يمكنه أن يحتج ولا أن يفتح فمه بل بمجرد أن يسمع دقات حزينة من جرس الدير يسرع إلى وضعه كميت ويرقد نفس الرقدة ويغطى وجهه بلفافة حتى إن فتحوا الطافوس لدفن الميت الجديد يجدون كل شىء كما تركوه حتى الكتب لم يكن يملك منها أبونا «أنسطاسى» شيئًا. إذن كيف كان يقضى وقته؟ وهنا أحس خطأه القديم فى ذلك الزمان كان هدفه أن يملأ عقله بالمعلومات. يقرأ عشرات الكتب ويصبح دائرة معارف ولكنه لا يجد وقتًا فيه يتأمل ما قرأه، أما الآن فلا توجد لديه كتب بدأ يجتر المعلومات المخزونة فى ذاكرته ويتأمل أحيانًا. كان يستغرق فى آية واحدة بضعة أيام يغوص فى أعماقها ويكشف له الروح أسرارًا عجيبة حتى كان يصرخ فى فرح مع داود النبى: «كل كمال رأيت مُنتهى أما وصاياك فواسعة جدًا».
ونستكمل فى الحلقة القادمة كيف بدأت مشاعر الراهب «أنسطاسى» تتغير نحو الرهبنة الحقيقية.