رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 02 يونيو 2020 الموافق 10 شوال 1441
بسنت حسن
بسنت حسن

طباخو السم

الجمعة 03/أبريل/2020 - 08:34 م
طباعة
يصرخون الآن ويعانون ويتسولون طلبًا للمساعدة ومد أيادى العون لهم.. فهل مد أحدهم يومًا يده ليعين غيره؟.. لقد مد العالم بأكمله أياديه ليشحذ من الساسة الرأسماليين الطغاة وبنكهم الدولى.. ركعت الشعوب وأفقرتها الديون والفوائد التى يسددها المواطنون من قوتهم اليومى.

ركعت اليونان وأعلنت إفلاسها ونام مواطنوها فى الشوارع، وهم أهل الحضارة العريقة.. فأحدث حجر فى اليونان عمره أقدم من تمثال الحرية فى الولايات التى أوجدها لينكولن؛ لتكون حلمًا للبشرية، فصارت كابوسًا للبشرية، ثم ركع لبنان فى نهايات ٢٠١٩ وأعلن إفلاسه مع بدء عام الوباء ٢٠٢٠.

الدول الأكثر ثراء وتطورًا هى الدول الأكثر تضررًا من الوباء الآن.. أمريكا، التى دمرت العراق ودعمت الصهيونية، وساومت غالبية الدول وأفقرتها بنشر وبائها الرأسمالى الاستهلاكى، واحتلت البلاد وقاطنيها بتلك الثقافة الاستهلاكية الوضيعة، هى أكثر بلد يعانى اليوم من الوباء القاتل.. لقد انشغل ذلك البلد ببناء المركبات التجارية ونقل تلك الثقافة للعالم أجمع، والآن لا يجد هذا البلد أسرّة كافية للمصابين فى مستشفياته، ويستعين بأطباء من مختلف دول العالم؛ لأنه استثمر فى الحجر واهتم بالأعمال ولم يستثمر فى الإنسان.

كم أمريكى يدرس الطب؟!.. عدد دارسى الطب فى كوبا الشيوعية، بل وفى بعض بلدان العالم العربى، أكثر بكثير من عدد دارسى الطب فى أمريكا.. دراسة الأعمال أو الـ«business administration» أحب للشباب الأمريكيين من دراسة الطب، ونقلوا مؤخرًا تلك الثقافة لبلادنا.. صحة الإنسان لم تكن فى قائمة الأولويات.. الأمريكى يموت الآن فى أمريكا، واليمن خال تمامًا من الوباء، وشفيت الصين والدول الأقل تضررًا من الوباء هى الدول الأفقر!

الدول التى ترتفع فيها معدلات المعيشة والرعاية الطبية، وكان يحلم بالعيش فيها نصف الكوكب الفقير، هى التى تعانى اليوم ويموت مواطنوها!

قبل الوباء كان المرضى يحلمون بالعلاج فى الخارج، أما الآن فمواطنو الخارج يموتون، الغنى يموت مثله مثل الفقير وأحيانًا يسبقه ويتسابق معه فى سرعة الرحيل.

لم يعد الثراء منقذًا ولا السلطة، فقد مرض ساسة وزعماء وملوك وأمراء ومشاهير.

الدول التى كان يهرب ويهرع إليها الشباب فى مراكب هجرة غير شرعية يهرب الجميع منها الآن، من كان يطلب اللجوء لتلك البلاد فى وقت ليس ببعيد صارت تلك البلاد الآن هى من تلجأ وتتضرع لمن ينقذها وتترقب ظهور المخلص.

لم يعد جواز السفر الأحمر أو الأزرق منقذًا أو حلمًا لأحد.. بوصلة العالم تتغير.. أثرياء الكوكب يحلمون بعودة الطيران ليهربوا ويهرعوا لليمن «بلاد العرب السعيد» الخالى من الفيروس، ويتمنى الأثرياء، اليوم، العيش فى صنعاء أو كينيا أو السنغال!

شعوب أمريكا اللاتينية الفقيرة من الدول الأقل تضررًا، وأطباء كوبا الشيوعية يمدون يد العون اليوم لإنقاذ الكوكب المحتضر، كذلك أطباء الصين.

لقد تنبأت السينما العالمية فى عام ٢٠١٩ بدمار ونهايات مأساوية للرأسماليين، وظهر ذلك فى ٣ أفلام أنتجت فى عام واحد من ثلاث دول مختلفة دقت ناقوس الخطر، وصرخت طلبًا للإفاقة من الغبن الذى سببه تيار النيوليبرال، ورسخ له التوحش الرأسمالى.

أنتجت كوريا فيلم «parasite» الحاصل على السعفة الذهبية فى مهرجان «كان» السينمائى الدولى، وينتهى الفيلم بمأساة وجرائم قتل ودماء تسيل بعبثية تشبه عبثية الكوكب وأقدار قاطنيه.

وأنتجت فرنسا- التى تعانى الآن- فيلمًا مستوحى من بؤساء «فيكتور هوجو» عبر عن البؤساء الجدد فى فرنسا، وحذر من انفجار هؤلاء كقنابل موقوتة فى وجوه الجميع.

وأنتجت أمريكا فيلم «الجوكر»، الذى حصد جوائز عدة، ولم يكن يتخيل الجميع أن ثورة «الجوكر» المهمش ضد الرأسماليين، وثورة البؤساء الجياع المرتقبة سيقوم بها فيروس لا يمكن الإمساك به أو قتله أو تفجيره، لأنه ببساطة لا يرى بالعين المجردة، ويسرى متلصصًا كالنار فى الهشيم؛ ليحتل الخلايا الحية ويميتها!

العالم بعد كورونا سيختلف تمامًا عن العالم قبل كورونا، المنظومة العالمية كلها ستتغير.. منظومة القيم ذاتها فى ظنى أنها ستتغير، مقياس التفاضل بين الدول والشعوب سيتغير، لن تعود القوة هى المعيار، ولن يكون السلاح هو الفيصل، ولن يكون المال هو الأنفع.

طوفان الوباء العالمى جاء ليغير وجه العالم.. هذا «اللهو الخفى» متناهى الصغر سيغير بوصلة العالم، وربما يصوبها ناحية أو لصالح الدول الأفقر والأقل سطوة والأكثر إنسانية.

لقد توقف تنظيم داعش عن ممارسة إرهابه! وتعانى إسرائيل اليوم من آلاف الحالات المصابة بالفيروس القاتل، فتوقف الإسرائيليون عن قتل وتهجير الفلسطينيين من منازلهم! مكث القتلة فى بيوتهم وتركوا الطرف الأضعف آمنًا من شرور عدوانهم، وصار مصير الفلسطينيين وقضيتهم مرهونين بما سيفعله الفيروس ولم يعد مرتبطًا بقرارات الساسة وسادة الحرب.

المنشغلون الآن بأنفسهم ومحاولة إنقاذها وإنقاذ محبيهم، صاروا هم على استعداد لفراق أحبتهم.. ويتظاهر أهل المكسيك لمنع دخول الأمريكيين أراضيهم!