الثلاثاء 31 مارس 2020 الموافق 07 شعبان 1441
لينا مظلوم
لينا مظلوم

مصير تركيا فى قبضة الميليشيات «الأردوغانية»

الإثنين 17/فبراير/2020 - 08:01 م
طباعة

عبارة أينشتاين الشهيرة «الغباء هو فعل نفس الشىء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتيجة مختلفة»، تنطبق حرفيًا على قانون «حراس الليل» الذى قدمه الأسابيع الماضية إلى البرلمان رئيس تركيا أردوغان عبر الحزب الذى يترأسه «الحرية والعدالة»، وتمت الموافقة على معظم بنوده فى انتظار إقرار الباقى. ظاهر القانون يزعم تسليح عناصر الحزب فى المدن والقرى لمساعدة الجيش والشرطة من أجل حفظ الأمن ومكافحة الجريمة.
مغامرات أردوغان العسكرية التى طالت مختلف الجبهات الإقليمية، بالإضافة إلى توتر يسود العلاقات التركية مع معظم الأطراف الدولية، والتى انتهت بتصاعد ينذر بفسخ عقد «زواج المصلحة» مع روسيا بعدما ظل الخيط الوحيد الذى يربط المصالح التركية بدول العالم.. كل هذا أصبح مفهومًا–وليس مقبولًا- فى إطار التغطية على تراجع شعبية أردوغان داخليًا إلى أدنى مستوياتها.. إثارة حالة صدام جماعى بدت أمامه المخرج الوحيد للظهور كلاعب إقليمى ودولى فى محاولة يائسة لاستعادة شعبيته داخل تركيا. تدخلاته العسكرية المتعددة فى سوريا وجّهت ضد الأكراد ليتم توظيفها تحت عنوان الدفاع عن القومية التركية.
تطبيق النموذج الإيرانى فى تشكيل ميليشيات خاصة «الباسيج» لحماية الثورة الخمينية، ثم وضع على رأس مهام قواتها الخاصة «الحرس الثورى» تصدير نمط هذه الميليشيات إلى دول الخارج، هو هدف أردوغان وراء إنشاء «الباسيج» أو شرطته الخاصة الموازية للمؤسسات الأمنية الرسمية، ومنح هذه الميليشيات صفة القوانين النظامية. بصرف النظر عن المناورات السياسية، كل المؤشرات تؤكد أن استخدام هذه الميليشيات سيوجه نحو فرض رؤية أردوغان على المواطن التركى بقوة السلاح وقمع معارضيه.. أولًا: وفق هذا القانون ستقوم وزارة الداخلية بتعيين أفراد «حراس الليل» من أعضاء حزب الحرية والعدالة.. ثانيًا: ستمنحهم صفة عسكرية.. ثالثًا: تعزيز قبضة الحزب على السلطة بعد تراجع شعبيته إثر فشله فى إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية، ما أسفر عن خسارته الانتخابات المحلية فى إسطنبول وأنقرة وباقى المدن التركية، وخلق بين أعضاء الحزب شعورًا بتسرب النفوذ والسلطة التى كانت حكرًا عليهم.
تخبط النظام التركى على الصعيدين الداخلى والخارجى، أعجزه عن التوقف أمام إشكالية مهمة عبّر عنها انفجار موجات غضب شعبى فى عدة دول عربية خاضعة لسيطرة إيران الأمنية بعد غرس مثل هذه الميليشيات داخلها فى مواجهة القوات الأمنية النظامية لهذه الدول. الرفض الشعبى ظهر مباشرًا ضد هذا النموذج «المسخ» بعد مضى عقود على فرضه، بل تحمله الشعوب مسئولية كل تداعيات الظروف المتردية التى أوصلت الشعوب إلى مرحلة الانفجار. أردوغان يعتزم تطبيق نموذج الحرس الثورى فى إيران، بعد ظهور كل مقومات الفشل فى استمرار تطبيقه، كونه فُصِّل خصيصًا للنيل من معارضى النظام، سواءً كان عنوانه الثورة الإسلامية أو أردوغان وحزبه. تمرير هذا القانون يؤكد أن محاولات أردوغان السيطرة على تركيا تدخل مراحلها الأخيرة التى تتمثل فى تحويلها لدولة ميليشيات، سبقتها مراحل توريط الجيش فى معارك خارجية دون وجود أسباب تفرض هذه التدخلات، فصل كبار قادة وضباط الجيش تحت ذريعة تورطهم فيما زُعِم أنه محاولة انقلاب مكنت أردوغان من اختراق الجيش، فاتحًا الباب أمام انضمام عناصر غير مدربة أو محترفة من المنتسبين إلى التيارات الإسلامية، ما أدى إلى إرباك العقيدة الأساسية التى اعتمدها الزعيم التركى مصطفى كمال أتاتورك عند إنشاء هذا الجيش. قانون «حراس الليل» سيضاعف التخبط الذى أصاب الجيش، بالإضافة إلى تهميش قوة منظومته التى كانت عبر عقود مثار فخر الوعى الوطنى التركى.
جذور نوايا أردوغان تهميش الجيش والشرطة التركية على حساب ميليشيات تدين بالولاء له، تعود إلى عام ٢٠٠٨ حين أمر بإعادة هيكلة ميليشيا «حراس القرى» بهدف المشاركة فى الحرب ضد حزب العمال الكردستانى. عام ٢٠١٢ أنشأ منظمة «سادات» وهى قوة شبه عسكرية موالية لأردوغان مهمتها تدريب وتسليح مرتزقة التنظيمات الإرهابية كوقود لمغامراته فى سوريا والآن فى ليبيا، كما ظهرت النوايا بوضوح عام ٢٠١٦ فى صورة قوى مسلحة ترتكب مجازر على جسر إسطنبول ضد معارضى أردوغان.. ثم أخيرًا قانون إنشاء «حراس الليل» من عناصر حزب الحرية والعدالة لم تحصل على تعليم عالٍ ولا تعلم شيئًا عن القوانين التركية بهدف قمع أى نشاط سياسى أو مجتمعى مدنى معارض للحزب. احتجاج الشارع التركى ضد أوضاعه الاقتصادية وجدوى تحمل أعباء مغامرات حاكمه العسكرية، هى قطعًا بركان قابل للانفجار مع ممارسات القمع التى سيسفر عنها انتشار هذه الميليشيات فى الشارع، وهو ما أثار تساؤلات عدد كبير من الصحف الأمريكية والغربية عن مدى استعداد تركيا لمرحلة ما بعد أردوغان، إذ تزداد شراسة المنافسة التى يواجهها من الحلفاء السابقين مثل رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، ونائبه السابق على بابا جان، اللذين كان لهما دور محورى فى رسم طريق أردوغان للاستئثار بالسلطة.
الهوس الأردوغانى بنهج جماعات قامت تحت ستار الدين بالترويج لشعار إنكار المواطنة والانتماء القومى، دفعه إلى التضحية بكل المكاسب التى تحققت منذ ٧ عقود على أيدى زعماء وطنيين أبرزهم مؤسس تركيا الحديثة أتاتورك، ودورهم فى غرس قيم الانتماء القومى داخل الشعب التركى. فى المقابل، يمثل قانون تأسيس الميليشيات «الأردوغانية» ودورها المشبوه فى الداخل والخارج تحولًا كاملًا فى تركيا من دولة اعتمد تاريخها الحديث على النموذج الديمقراطى فى إدارة مؤسساتها وسيادة القانون، إلى دولة ميليشيات تدين لأردوغان بالولاء الفكرى والعقائدى على غرار نمط ميليشيات الحرس الثورى الإيرانى الذى يواجه فشلًا ذريعًا تظهر دلائله يوميًا فى صورة موجات غضب شعبى داخل الدول التى فُرِضت عليه مثل لبنان، العراق، ليبيا واليمن.
ads