الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د. منى حلمى
د. منى حلمى

الحب ليس «قلة أدب» و«قلة حياء»

الأحد 20/أكتوبر/2019 - 06:45 م
طباعة
اندهشت صديقتى عندما عرفت أننى مهتمة بقضية الحب، مثلما أهتم بقضية الاقتصاد أو الفن أو قضية المرأة أو قضية عدالة القوانين والتشريعات أو قضية الفساد، ورأت أن استخدامى مصطلح «الأمن العاطفى» مبالغ فيه، وفيه تضخيم لقضية الحب بين النساء والرجال.
قالت: «حب إيه وأمن عاطفى إيه، بقى ده كلام؟، خسارة نضيع الوقت فى الحديث والكلام عن الحب وعندنا مشكلات لا نُحسد عليها».
وبالطبع أنا أخالفها الرأى، شكلًا وموضوعًا، وسألتها سؤالًا بسيطًا جدًا: «إذا كان الحب قضية تافهة أو غير مهمة، فلماذا كل الأغانى قديمًا وحديثًا التى نسمعها ليل نهار لا همّ لها إلا الحب بين الرجل والمرأة، والحرمان العاطفى الذى يبكينا، والاشتياق الذى يدمينا، وهجر وقسوة ولوعة وتناقض وسفر الحبيب، والتوسل إليه وطلب المغفرة منه، والحلم به صباحًا ومساءً؟، وكذلك الأمر مع الأفلام السينمائية وأغلب الدراما المرئية.. لم ترد صديقتى».
ما يسمى بالأمن القومى محصلة مترابطة من المزايا والإيجابيات، ليس فقط الأمن العسكرى والأمن الاقتصادى والأمن الثقافى والأمن الصحى والأمن البيئى، لكنه أيضًا الأمن «العاطفى»، و«النفسى»، الذى يعنى التصالح مع النفس ومع الحياة ومع قوانين الكون وقوانين العلم، وحيث الإشباع العاطفى بين نصفى البشرية.. المرأة والرجل.
بالحب أيضًا ينتصر الإنسان على الموت فمهما تصالحنا مع الموت تظل فى أعماقنا أمنية «الخلود»، وأن نظل بعد الموت «أحياء» من خلال شخص واحد على الأقل، وهل الحب شىء آخر إلا نهرًا متدفقًا من الوفاء يُبقى ذكرى الحبيب أو الحبيبة إلى الأبد؟ الحب أيضًا يقهر الزمن.
فالمحب العاشق يظل يرى الجمال والحيوية والإشراق فى «الآخر»، بعد زحف تجاعيد وخطوط الزمن إلى ملامحه، وعندما تقل حركته وتكثر متاعبه الجسدية والنفسية بسبب الشيخوخة يظل يحبه ويستمتع بصحبته دون ضيق أو ملل، «الحب» ليس نزهة خلوية أو سهرات للرقص والمرح والتسلية والعشاء، وليس كلمات العشق والهيام تحت ضوء القمر.
وليس علاقة امتلاك وتسلط واستغلال، تنفس عن الإنسان العُقد النفسية والاضطرابات الوجدانية، «الحب» ليس انجذابات جنسية، «الحب» مشروع ثقافى وحضارى من الطراز الرفيع، من خلاله يتعلم الرجل التخلى عن ذكوريته، وكيف يصبح أكثر أدبًا ورقيًا من أجل حبيبته، من خلال الحب تتعلم المرأة كيف تصبح أكثر شجاعة فى التعبير عن حقوقها والإصرار على شخصية منْ تحبه، رغم أنه لا ينسجم مع الأخلاق الذكورية والتقاليد البالية، والوطن أيضًا من خلال الحب يتعلم كيف يصبح أكثر انفتاحًا وحرية وأكثر فهمًا لأهمية الحب للفرد وللمجتمع.
الحب ليس «قلة أدب» أو «قلة حياء» كما هو شائع فى بلادنا، الحب هو قمة الأدب وقمة الحياء، الحب ثورة ونهضة وحلم بالتغيير الثقافى، المحبون والعُشاق- نساء ورجالًا- أكثر الناس استقامة فى الخُلُق، المحب العاشق الحقيقى رجلًا أو امرأة لا يكذب، لا يخدع، لا يتسلط، لا يحقد، لا يحتال، لا يخون.
لا أدرى إن كانت هناك دولة كتبت فى دستورها «الحق فى الحب» وفى الأمن العاطفى؟ الحب حق أساسى لكل مواطنة ومواطن.. وعلى الدولة أن تضمن هذا الحق وتكفل التعبير الراقى المسالم عنه، رغم كل العقبات.
السؤال الآن: هل الإنسان «المحروم» من كل ثمرات الحب يكون مؤهلًا للتنمية والتعمير وبناء نهضة الوطن؟، هل يصلح لأن يعطى «طاقته» كاملة للعمل والإنتاج وتأسيس نهضة حضارية؟، السؤال: هل نعطى الأمن «العاطفى» أو الإشباع العاطفى حقه واحترامه؟
هل ندرك أهمية الحب وضرورته للشخصية السوية واكتمال احتياجات الإنسان؟ بكل أسف نحن لا نفهم معنى الحب، رغم أننا محاصرون ليلًا ونهارًا بأغنيات الحب وأفلام الحب، لكن الواقع الفعلى المعاش داخل البيوت المغلقة واقع خشن، «يجرم ويحرم» الحب كأنه خطيئة كبرى ورجس من عمل الشيطان يجب التكفير عنه وفضيحة نتستر عليها.
حتى هذا الحب الذى يحاصرنا حب مريض بين امرأة تشتهى الخضوع متأقلمة تمامًا مع المجتمع الذكورى، ورجل معقد الرجولة متضخم الذكورة، الحب لديه دونجوانية مريضة، أو رغبة فى السيطرة والتنفيس عن الغضب، أو احتياج لواحدة تؤكله وتشربه وتلبسه مقابل الإنفاق عليها، هذا الحب بالضرورة يعيد إنتاج منظومة القهر والذكورة والتخلف الحضارى.
الحب السوى هو الحب بين نساء أحرار ورجال أحرار، هذا هو الحب الذى يبنى الوطن نحو التغيير ويسعد البشر ويبشر بأجيال جديدة حرة.
الحب قضية سياسية واقتصادية وثقافية وأخلاقية كبرى، بمرآتها نستطيع التعرف على حقيقة المجتمعات ومكانة الأفراد.
لا خير فى إنسان لا يحب.. شاهدت فيلمًا منذ سنوات لا أذكر اسمه، ولا أذكر حكايته وتطور أحداثه، ولكننى لا أنسى هذا المشهد، حيث يسأل البطل حبيبته: «هل يمكن أن أسألك سؤالًا سياسيًا؟»، اندهشت حبيبته وقالت: «طبعًا».
قال: «هل تتزوجيننى؟»
من بستان قصائدى
أشباح تقترب.. أجراس خطر ترن.
الجنين بالفطرة يحس بالمؤامرة.
يحاول الهروب والفرار.
الجنين يئن.. عقله الصغير يكاد يجن.
فجأة تمتد يد آثمة.. من رأسه تشده إلى الخارج.
يد لا ترحم.. لا تتأنى.. لا تحن.
ads