رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أردوغان وأوهام الزعامة



سكرة النجاح السريع أنست أردوغان ماضيه وخبراته ككابتن كرة قدم وتحول أردوغان من المصلح إلى الزعيم الأوحد وتنكر لمعظم من حوله
ما زلت أتذكر زيارتى الأولى لتركيا وكانت فى عام ١٩٩٢، كانت تركيا تعانى أزمة اقتصادية كبرى، كانت العملة التركية، الليرة القديمة، تقريبًا لا قيمة لها، كنت أصرف فى اليوم الواحد ربما مليون ليرة، يومها أحسست بفرحة بطعم السخرية، لقد أصبحت للمرة الأولى فى حياتى مليونيرًا! وأتذكر أننى اشتريت شنطة صغيرة لأضع فيها أكوام الليرات.
كان مستوى معيشة الشعب التركى أقرب إلى حالة المصريين فى أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، وكان من الصعب أن يستمر حال تركيا على هذا النحو، وإلا عادت سلسلة الانقلابات العسكرية من جديد.
كان لا بُد من الإصلاح، السياسى والاقتصادى، وفى الحقيقة فإن الجندى المجهول وراء بدايات الإصلاح التركى، كان الزعيم التركى الليبرالى «تورجوت أوزال» الذى للأسف توفى فجأة عام ١٩٩٣، فلم يجن ثمار إصلاحه السياسى والاقتصادى، ويعترف الجميع بمن فيهم أردوغان نفسه بفضل «أوزال» وأنه الأب الشرعى للإصلاح التركى.
ولكن هذا لا ينفى جهود أردوغان فى الفترات الأولى له، أتذكر عندما بدأ اسم أردوغان يلمع بشدة بعد فوزه بمنصب عمدة إسطنبول فى عام ١٩٩٤، سألت صديقى المؤرخ التركى، ذا الثقافة الفرنسية، مازحًا طبعًا، ها قد عادت إسطنبول إسلامية من جديد! وقلت له على سبيل الاستفزاز لكى أحصل على إجابات قوية: فى الزيارة المقبلة لى سأجد إسطنبول عثمانية وليست أتاتوركية؟! رد صديقى بثقة: لا، العلمانية راسخة فى المجتمع التركى، والإسلاميون هنا مختلفون عن الإسلاميين فى مصر، هم منفتحون على أوروبا.
والحق أنه فى خلال سنوات متعددة كان الإصلاح الاقتصادى يسير بخطوات واثقة وناجحة، حدث إصلاح نقدى للعملة التركية، والتوسع فى مشاريع الخصخصة، واستجلاب الخبرات التركية من المهجر، فضلًا عن الاستثمار الجيد فى التعليم والثقافة.
وسألت أصدقاءنا المؤرخين الأتراك عن سر «الظاهرة الأردوغانية»، وكانت الإجابة أن الأمر لا ينحصر فقط فى عبقرية أردوغان، مع ضرورة الاعتراف بقدراته القيادية، فلمن لا يعلم، مارس أردوغان محترفًا لعبة كرة القدم، وكان كابتن للفريق، ولذلك هو يجيد فن القيادة، لكن ينبغى النظر إلى لاعبى خط الوسط، وأيضًا إلى اللاعب صانع الأهداف، لا يعود النجاح إلى أردوغان وحده ولكن لفريق كبير من المصلحين الأتراك، على رأسهم عبدالله جول، الاقتصادى والسياسى التركى الشهير، وبالنسبة للسياسة الخارجية كان داود أوغلو هو اللاعب الأساسى للتحول الكبير الذى حدث لتركيا، فهو مبتكر سياسة «زيرو مشاكل»، أى تحسين علاقات تركيا مع جيرانها، بعد سنوات طويلة من العداء.
وهكذا نجح هذا الفريق فى إحداث قفزة كبيرة لتركيا، حتى أصبحت بحق قوة اقتصادية وسياسية كبرى، ودخلت ضمن مجموعة العشرين على مستوى العالم.
لكن سكرة النجاح السريع أنست أردوغان ماضيه وخبراته ككابتن كرة قدم، وتحول أردوغان من المصلح إلى الزعيم الأوحد، وتنكر لمعظم من حوله، وابتعد عبدالله جول، وأبعد داود أوغلو، وسقطت سياسة «زيرو مشاكل»، وعادت تركيا من جديد إلى سياسة العداء مع الجيران، ولعبت أوهام الزعامة والخلافة بعقل أردوغان، وبدأ نزيف النقاط، واللعب فى الوقت الضائع، وهذا ما سنتحدث عنه فى المقال المقبل.