رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أيمن السميرى: القصة القصيرة ستبقى لفافة المتعة الدائمة فى كبسولة

أيمن السميري
أيمن السميري

حول الجوائز الأدبية وأثرها في تسيد الرواية المشهد الثقافي المصري والعربي، وهل تراجع فن القصة القصيرة أمام الرواية؟، وغيرها من القضايا، كان لـ"الدستور" هذا اللقاء مع الكاتب أيمن السميري، حول تجربته السردية الروائية الأولي "شارع بن يهودا" والصادرة مطلع العام الجاري. 

 

هل تراجع فن القصة القصيرة أمام الرواية؟

لا أعتقد ذلك بالمرّة. القصة القصيرة كوعاء إبداعي كما عرفناها عند تشيكوف ودي موباسان تبقى الأكثر قدرة على التكثيف والتعبير الحي عن اللحظة والومضة والموقف. القصة القصيرة ستبقى لفافة المتعة الدائمة في كبسولة من السطر المُحمّل بكل التكثيف. بكل بساطة أرى القصة القصيرة موقفًا وشريحة من فعل الحياة، وأرى الرواية الحياة بنظرة من فوق تل عال يمنح عينيك تفاصيل واتساعًا أكثر. كنت في ثانوي عندما قرأت مجموعة "رشق السكين" للدكتور المخزنجي، أتحدث معك الآن وأثرها وطعمها ما زالا في روحي.

 

هل صارت الرواية بالفعل ديوان العرب دونًا عن الأجناس الأدبية الأخرى؟

مقولة ليست دقيقة على إطلاقها، إن كنا نتحدث عن الذيوع والتأثير فقد نقول قريبًا إن المحتوى الفيسبوكي هو ديوان العرب، أو الأدب المرئي هو ديوان العرب. الرواية حاضرة لأنها منذ البدء كانت حاضرة لإرواء الشغف للحكي، منذ المقامات وألف ليلة وليلة وحلقات السمر في أجران الفلاحين كانت دائمًا الحكاية حاضرة، لكن حضورها لم يكن السجل الوحيد للوجدان العربي الموزع بين القصيدة، والأغنية والشعر والمسرحية. لقد ترك صلاح جاهين ونزار قباني وأمل دنقل وفؤاد حداد تأثيرات قائمة في المخيلة الجمعية تتجاوز الكثير من الروايات.

 

أيمن السميري بعيدًا عن الوسط الثقافي المصري. فلماذا؟

لست بعيدًا بالمرة، أنا حاضر بالمقال والنشر القصصي، كذلك أتاحت الوسائط الاجتماعية كفيسبوك تواصلًا مدهشًا مع المجتمع الأدبي، كما تربطني علاقات وثيقة بالعديد من الكُتاب والنقاد، لقد كنت ربما أصغر عضو يتم قبوله عضوًا باتحاد كُتاب مصر في عهد الراحلين سعد الدين وهبة وفاروق خورشيد، حيث تقدمت بمجموعتي القصصية "هذه المسافة" وعملي القصصي "تمثال الظهيرة الغريب" الفائز بجائزة اتحاد الكُتاب وقتها. ربما أنا بعيد عن الشلل، والتجمعات حول الناشرين رغم عدم تحفظي عليها. أنا حاضر ومتواصل وتربطني وشائج أعتز بها بالوسط وبالكُتاب.

 

هل أيقن "على حسن غالب"ـ بطل روايتك شارع بن يهوداـ أنه، ولو متأخرًا، سبب تمسك والده بمكانه "ميت كردون" دونًا عن غيرها، سواء على مستوى التاريخ أو الجغرافيا؟

والده "حسن غالب" الشيوعي الحالم، الذي أودع كل أحلامه لجمال عبدالناصر لم يكن أمامه بدافع من أفكاره إلا البقاء وسط البروليتاريا وعالمه المثالي عن جنة الطبقات الكادحة وصعودها المأمول، لهذا كانت هزائمه وانكساراته بمستوى أحلامه اليوتوبياوية. "علي غالب" كان الحقيقة التي أكدث لحسن أن أحلامه وهم كبير، ولهذا لم يعترض و"علي" يمضي إلى مسار مغاير فكريًا وحياتيًا، بالعمل مع عبدالقادر شعير الانتهازي، وفريد جميعي، ثم السفر إلى أمريكا. "ميت كردون" كتاريخ وجغرافيا مثلت لحسن غالب الحلم اليساري بالعدالة وصعود المهمشين على حافة المجتمع، بينما مثلت لعلي غالب عاهته، وهزائم عائلته، وفقد عمه "عز العرب" في اليمن. الدافعية مختلفة في الحالتين.

 

هل ساهمت الجوائز الأدبية– خاصة العربية منها– في اتجاه معظم الكُتاب حتى الشعراء لكتابة الرواية؟ وإلى أى مدى توثر الجوائز الأدبية في شكل الروايات المطروحة، واتجاهات كتابتها؟

الجوائز موجودة حتى في الغرب، ووجودها ضرورة فهي في نهاية الأمر تمثل أحد مصادر الحاجة إلى الشعور بالتقدير لدى البعض. قد تكون الفرضية صحيحة، لكن ذلك سيكون كارثة لأن الكتابة الموجهة تتسم بصدق أقل، وتنزع نحو المشروطية والانتقائية. أعتقد أننا ينبغي أن نكتب لحاجتنا إلى الكتابة. الإبداع فعل سابق وحي وصادق يتوسل بالخاطر والإلحاح والألم والتوحد وجدانيًا والشعور بالتطهر. من هنا تصبح الكتابة من أجل الجائزة افتعالًا أدبيًا وليست فعلًا أدبيًا. الجوائز بحد ذاتها شيء رائع وضروري، لكن الإبداع فعل مستقل أولى أدواته الحرية.

 

لماذا تقاعس "علي غالب" عن صد عدوان "وجدي كراوية". بمعنى آخر، لماذا لم يستشرف أحمد الراوي المثقف المصري اليساري ما أيقنه "ديساي" الأمريكي الهندي؟

سيكون من الظلم تحميل "علي غالب" الأعزل المعاق، المكسور في أحلامه وحبه، العبء الأكبر في خوض كل الحروب، البطل التراجيدي كما قال سارتر "يناضل ويناضل في الظلمة، وعباراته ليست لوحات لروحه بل هي أفعال تقول أكثر مما ينبغي، وأقل مما ينبغي....". علي غالب كان في كثير من المواقف منصة تنشين للجميع، بينما وجدي كراوية الذي يرتبط وجوده بالفكرة والمؤسسة "الإخوان المسلمين" كان أكثر قدرة على الفعل. على الجانب الآخر يبدو "أحمد الراوي" اليساري الزاعق يوتوبياوي هو الآخر لا يعيش الواقع بكل تعقيداته، بينما آتال ديساي أكاديمي يتعامل مع الحقائق المجردة من الأيديولوجيا والدوجما، لهذا كانت تخريجاته أكثر واقعية.

 

لماذا خالفت رؤية "علي حسن غالب" للمدن، القاهرة مثالًا، رؤية مثقفي الستينيات؟

مثقفو الستينيات جعلوا المدينة عدوًا، وكانوا في حالة صدام وجداني معها، بينما علي غالب كان في صدام مع الواقع في قريته ميت كردون، ومع نفس الواقع في المدينة، مثقفو الستينات كانوا في خصومة مع الكيان في المجمل، بينما علي غالب كان في خصومة مع الحالة وتجلياتها من فساد وقهر.

رواية شارع بن يهودا لـ أيمن السميري
رواية شارع بن يهودا لـ أيمن السميري