رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«المصرى للفكر» يناقش تنامى نشاط داعش بسوريا فى دراسة بحثية جديدة

الباحثة مني قشطة
الباحثة مني قشطة

مع نهاية عام 2022 وبداية العام الجاري، اتخذ النشاط العملياتي لتنظيم داعش منحًى تصاعديًا على الجغرافيا السورية، فعلى الرغم من الضربات الموجعة التي تكبدها التنظيم على المستوى القيادي خلال العام الفائت؛ إلا أنه حرص على بدء العام الجديد بتنفيذ سلسلة من الهجمات الدامية بشكل شبه يومي ضد أهداف عديدة على الأراضي السورية، بطريقة عكست تمسكه برهان أنه قادر على التمدد وإثبات حضوره القوى في الفضاءات الجغرافية المختلفة، خصوصًا في سوريا لما لها من أهمية عملية ورمزية بالنسبة للتنظيم، حتى وإن تم تضييق الخناق على تحركاته وتطويق مساحات انتشاره بفعل الجهود الأمنية التي اتجهت بوصلتها لاستهداف بؤر وخلايا وقادة داعش في معاقله المختلفة.

في هذا السياق، أجرت منى قشطة، الباحثة بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، دراسة جديدة، توضح تنامي النشاط الداعشي على الأراضي السورية، كذلك مناقشة الخسائر التي تكبدها تنظيم داعش في سوريا جراء الحملات الأمنية الموسعة ضد معاقله خصوصًا تلك التي تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من قوات التحالف الدولي ضد داعش.

وأكدت عبر الدراسة أنه قد وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان قيام التنظيم خلال عام 2022 بشن أكثر من 100 هجوم أودت بحياة نحو 266 شخصًا لا سيما في مناطق البادية السورية ودير الزور وحمص والسويداء وحماة وحلب والرقة ومناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، وخلال الأسبوعين الأوائل لعام 2023 شن التنظيم نحو 14 هجومًا في مناطق نفوذ قوات (قسد)، مما أدى إلى سقوط نحو 12 شخصًا من قوات (قسد) وقوى الأمن الداخلي (الأشايس).

وتابعت أنه قد تنوعت التكتيكات التي استخدمها التنظيم ما بين تنفيذ الهجمات الخاطفة ونصب الكمائن والتفجيرات وزراعة الألغام، وكان من اللافت ظهور بعض المؤشرات على حرص داعش على التواجد في مناطق الجنوب السوري، وذلك بعد توقفه لمدة طويلة عن الإعلان عن تبني هجماته في هذه المنطقة؛ حيثُ تبنى التنظيم- بحسب إحصائيات صحيفة "النبأ" الداعشية- نحو 34 عملية استهداف خلال الأشهر السبعة الماضية في الجنوب السوري أودت بحياة نحو 51 شخصًا يتوزعون بين محافظات درعا والقنيطرة والسويداء.

وأشارت الدراسة أنه يكمن وراء تصعيد تنظيم داعش لعملياته في الأراضي السورية جُملة من الدوافع، يمكن الوقوف على أبرزها الثأر لمقتل قادة التنظيم: حيث يُمثل تكثيف هجمات داعش على الأراضي السورية والعراقية وباقي الفضاءات الجغرافية الأخرى المتواجد بها مفارزة المختلفة، ترجمة عملية لمساعي التنظيم للثأر والانتقام لمقتل قادته، حيثُ شهدت سوريا وحدها خلال عام 2022 العديد من العمليات التي تندرج تحت استراتيجية (قطع الرءوس) والتي استهدفت قادة داعش سواء على مستوى القيادة المركزية أو الإدارات المختلفة داخل التنظيم.

 وبدأت هذه العمليات بمقتل الزعيم الأسبق للتنظيم أبوإبراهيم الهاشمي القرشي في غارة أمريكية في 3 فبراير 2022 بمحافظة إدلب، مرورًا بمقتل زعيم الفرع السوري لداعش ماهر العقال في 12 يوليو من نفس العام، ووصولًا إلى القضاء على الزعيم الثالث للتنظيم أبو الحسن الهاشمي القرشي في، فضلًا عن اعتقال عدد من مسئولي التخطيط داخل التنظيم، يأتي ذلك من قبل التنظيم لتحقيق جملة من الأهداف في مقدمتها إثبات صموده وصلابته الهيكلية بعد القتل المُستهدف لزعمائه، حسب ما عبّرت الدراسة، وتوظيف تلك الهجمات في جهوده الدعائية عبر أجهزته الإعلامية المتطورة لضمان الحفاظ على معنويات عناصره وضمان الحصول على  بيعتهم وولائهم للزعيم الجديد، بالإضافة إلي الرد على الضربات التي يتلقاها التنظيم، حيث يُمكن النظر إلى هجمات داعش الأخيرة على الجغرافيا السورية في إطار مساعي التنظيم لإثبات حضوره وتعزيز تواجده؛ ردًا على الضربات التي وجهتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية ضد معاقل ومخابئ وعناصر التنظيم، ففي نهاية ديسمبر الماضي أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) حصيلة عملياتها وهجماتها ضد تنظيم داعش في سوريا خلال العام 2022؛ إذ نفذت 14 عملية أمريكية أحادية الجانب، و108 عمليات مشتركة أسفرت عن اعتقال 215 شخصًا ومقتل 466 آخرين من عناصر داعش.
 

وأكدت «قشطة» أنه وعلى صعيد متصل، تتصاعد المخاوف من القنبلة الموقوتة داخل المخيمات التي تأوي عشرات الآلاف من عائلات وأسر الدواعش في شمال شرق سوريا لا سيما في مخيم الهول، حيث يسعى التنظيم عن كثب لإحداث التوترات داخل المخيم لتحرير عناصره المحتجزة هناك خصوصًا مع تراجع قدرته على الجنيد المحلي، مشيرة إلي أنه قد تصاعدت حدة هذه التوترات خلال عام 2022 الذي شهد عشرات جرائم القتل التي ارتكبتها العناصر الداعشية داخل مخيم الهول، حيثُ يقوم هؤلاء بالانتقام من المتعاونين مع الحراس، ويطردون منظمات الإغاثة، إلى جانب عمليات تهريب الأسلحة إلى المخيم بشكل منتظم، فضلًا عن هروب المئات وما يسمون بـ (أشبال الخلافة) إلى معسكرات التدريب الصحراوية التي يديرها التنظيم في محاولة لتعويض نزيفه البشري المتمخض عن الضربات الأمنية التي توجه ضد أفرعه المختلفة. 

“وفي هذا الصدد حذّر تقرير للقيادة المركزية الأمريكية مؤخرًا من أن تنظيم داعش لدية “جيش منتظر” في سجون ومعسكرات النزوح بسوريا والعراق، حيث يوجد نحو 25 ألف طفل في مخيم الهول يمثلون وجهة رئيسية للتطرف الداعشي، ويشكلون الجيل القادم المحتمل لداعش„.

واختتمت دراستها أنه يُمكن القول إن هجمات داعش الأخيرة في سوريا تأتي في إطار مساعي التنظيم لإثبات صموده وبقائه وتماسكه أمام ما يتلقاه من ضربات بفعل الجهود الأمنية المحلية والدولية التي أفقدته الكثير من قادته، مستغلًا في ذلك الأوضاع المضطربة في سوريا، وحالة التوتر التي تنشب من فترة لأخرى بين الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الساحة السورية والتي تخلق بيئة جيوسياسية مضطربة تؤثر بدورها على فاعلية جهود محاربة الإرهاب، ويجد التنظيم في ثناياها فرصة سانحة لتعزيز صفوفه وتكثيف نشاطه، حيث يقوم نهجه بشكل عام على الاستثمار في الأوضاع السياسية والأمنية المضطربة لتحقيق أهدافه.