رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أن تكون أمين إسكندر

هل قابلت رجلًا يعمل بالسياسة، أو ينشغل بها، دون أن تحركه المصلحة، حزبية كانت أم شخصية أم خليطًا بين الاثنين؟ 

يتفق الجميع على محبته، واحترام مواقفه أيًا كانت درجة التباعد أو الاختلاف معها أو حولها؟

لا يحمل فى قلبه ذرة من سوء تجاه أحد، ولا يصل بالخلاف السياسى إلى حدود الخصومة، أو حتى الاقتراب منها، ودون أن تتغير قناعاته أو يتغير موقعه من الخلاف فى الرأى؟ 

يفتح قلبه وعقله لمختلف الأجيال، يناقشهم بمحبة، ويختلف معهم بمحبة، ولا يبخل على أحد بما لديه من أفكار وتصورات وذخيرة من ثقافة وعلم ومعرفة بطبائع البشر، وتقلبات الأيام؟ 

لا يغضب ولا يمل من نزق شابٍ متهور فى عمر أحفاده، يدخل معه فى جدال سياسى طويل وعنيد، فيعرف جيدًا أنه حماس الشباب ويصبر عليه، ويسير معه بهدوء وحكمة وابتسامة لا تفارق وجهه، فلا ينتهى منه إلا وقد وصلا إلى مساحة من الاتفاق؟

إن كانت الإجابة بنعم، فلا شك عندى أنك قابلت النائب، والمفكر القومى، والكاتب الكبير أمين إسكندر، وحده لا أحد سواه، فلا أحد غيره ممن عرفت أو صادفت يملك تلك الروح السمحة، والعقل المفتوح للحوار وتبادل الآراء، وهدوء الصوت والتفكير مهما كانت حدة الخلاف.

هو نائب روض الفرج الذى لم يغلق بابه أمام أحد فى يوم من الأيام، حتى خلال فترة عضويته بالبرلمان، وربما كان هو النائب الوحيد الذى كان يسهل على أى من أبناء دائرته أو غيرها أن يلتقيه فى أى وقت من اليوم، لا يتردد فى إجابة سائل، ولا يقف بينه وبين الناس ساتر.

هو الرجل الذى يسهل أن تصادفه صباحًا على عربة الفول، يتناول إفطاره وسط حلقة من الشباب الذين جاءوا يطلبون رأيه فى مسألة تشغلهم، أو تجده وسط محبيه على المقهى مساءً، يدخن الشيشة، ويناقش الجميع، فى الدين والاقتصاد والمجتمع والشعر والرواية وممارسة الحياة، وهو المسيحى الذى لا تفارق أصابعه المسبحة، ويستشهد بآيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول، ولا يسمح بأن تدخل قلبه فتنة أو شائبة من تعصب، رغم صلابة مواقفه، وتماسك رأيه وتمسكه بقناعاته.

والحقيقة أننى كنت واحدًا من المحظوظين بالقرب من الأب والصديق الراحل أمين إسكندر فى بدايات رحلتى مع الحياة، ولا أجد فرصة للحكى عن دوره فى عملى بالصحافة إلا وذكرتها، وأفضت فى التعبير من عميق امتنانى لأنه كان صاحب الفضل الأول فى دخولى إلى بلاط صاحبة الجلالة، والتدرب على يد واحد من أهم من مروا بها.

كان ذلك فى بدايات العام ١٩٩٣، فى نهايات شهر فبراير، أو بدايات مارس على وجه التقريب، وكانت صحيفة «العربى» قد صدر منها عدد واحد، وكنت قد جئت من قريتى فى رحلة للبحث عن عمل.

قبلها بعدة أشهر كنت قد التقيته فى أحد اللقاءات الحزبية بقريتنا، لم أكن عضوًا بالحزب، ولا مشغولًا بالسياسة، لكننى حضرت اللقاء بصفتى كشاعر شاب، «وقتها طبعًا»، وباعتبارى كأحد المحبين لجمال عبدالناصر الذى يحمل الحزب صفة الانتماء إليه، وكان هو بصحبة النائب الأسبق حمدين صباحى، والوزير الأسبق كمال أبوعيطة، وعدد من القيادات الشابة بالحزب «وقتها أيضًا»، جاءوا بحثًا عن قاعدة تدعم تيار الشباب فى الانتخابات المركزية بالحزب، وأذكر جيدًا أنه فى ذلك الاجتماع البعيد، لم يعلق بذاكرتى غيره، فقد كان هو الرجل الذى يعرف جيدًا كيف يوجه الحديث، وكيف يدير حوارًا دون أن يقع فى خصومة، ودون أن يترك موقعه من الحوار، على أن أكثر ما لفت انتباهى وأسرنى أننى عندما طلب أحدهم أن أقرأ عددًا من قصائدى، كان هو قد انتهى من كوب الشاى الذى كان فى يده.

ربما لا يعرف الكثيرون شيئًا عن تصورات الشعراء بشأن أهمية ما يقولون، وحتمية إنصات الجميع لما يجودون عليهم به من كلمات، وربما كان ذلك التصور الذى أراه الآن ساذجًا ومضحكًا، هو ما جعلنى ساعتها لم أسمع مما حولى شيئًا، فقد كانت أذناى، مدفوعة بغرور الشعراء، فى الكوب الذى وضعه فوق الصينية فى ما يزيد على دقيقة كاملة دون مبالغة، ودون أن يصدر أى صوت لاحتكاك الزجاج بالصينية النحاسية، فلم أتذكر عن بقية مجموعة القاهرة التى جاء معها إلى قريتنا غيره.. ذلك المسيحى الذى يحمل مسبحة فى يده طول الوقت، ويتكلم فى الدين والاقتصاد والمجتمع والشعر والرواية وممارسة الحياة، واسمه أمين إسكندر.

لم نلتق بعدها سوى فى تلك الليلة من بدايات ١٩٩٣.. عندما رأيته، كان يدخن الشيشة بصحبة عدد من الأصدقاء بمقهى «زهرة البستان»، ولم أكن أتوقع أنه سوف يتذكرنى، أو يعرف وجهى.. خصوصًا أننى أعرف أن من يعمل بالعمل العام، لا بد أن يقابل كل يوم أعدادًا من المخلوقات عديدة الأشكال والأنماط. لكننى عندما ذهبت لتحيته والسلام عليه، فوجئت به يتذكرنى على الفور، وكان استقباله لى حارًا وآسرًا.. ودون أن تخونه ذاكرته فى هنة صغيرة، حدثنى عن أشياء كثيرة، وسألنى عن كل شىء، عن الشعر والكتابة، والحزب، والرفاق، وعندما عرف بأننى جئت إلى القاهرة بحثًا عن عمل، بادرنى بالسؤال: تشتغل معانا فى «العربى»؟، فأجبت: «ياريت.. لكن هل يوجد بها مكان لى؟».

ابتسم وهو يقول لى بحسم: «أومال يبقى فيها مكان لمين؟».. أنهى حجر الشيشة الذى كان يدخنه، ثم أخذنى من يدى إلى مقر الجريدة الذى يبعد عن المقهى بما يزيد قليلًا على الكيلومتر، وهو يقول لى كلامًا كثيرًا عن الأستاذ صبرى موسى، رئيس القسم الثقافى بالجريدة، متوقعًا أن يرحب بتدريبى معه باعتباره واحدًا من أهم الأدباء المصريين، ولا بد أنه سوف يسعد بتدريب أديب شاب مثلى، وكان نص كلماته التى ما زلت أذكرها: «الأستاذ صبرى موسى كاتب كبير، وعليك أن تحبه وتتعلم منه.. أنتما متقاربان فى أشياء كثيرة، وسوف يرحب بك كثيرًا.. هو يحب الشباب، ويتحمس لهم، وأعرف أنك سوف تكون عند حسن ظنى، ولن تقصر رقبتى».

وهو ما حدث بالفعل، وكان لى شرف القرب من صبرى موسى، والالتصاق به، والتعلم منه، والانتساب إلى المهنة التى طالما حلمت بها، ولولا لطفٌ من أمين إسكندر، وقلبه المفتوح بالمودة للجميع، وروحه المحبة للحياة وللناس، ما كنت خطوت إليها، وما كنت لأكتب هذه الكلمات الآن داعيًا المولى أن يتغمد روحه برحمته ومغفرته التى وسعت كل شىء.

الصديق والقائد والأخ الأكبر أمين إسكندر.. لك المحبة كلها، ولروحك السلام.