رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

المجتمع الذكوري والعقل الجمعي

المجتمع الذكوري الذي شكل بالتراكم مفردات وثفافة ومنظومة قيم المجتمع والعقل الجمعي المصري الذي صار شعبويًا وأصبح المجتمع برمته سلفي الهوي، وهو توجه رجعي يضرب الآن من جديد لتسقط ضحية من الضحايا بين الحين والآخر تضاف لرصيد الضحايا والشهيدات اللاتي صرن يسقطن بشكل متكرر.
وصار الأمر برمته مثيرًا ليس فقط للجدل بل للغثيان، وصار الوضع قاسيًا مقبضًا ومفزعًا يحط ويقلل من شأن وهيبة دولة القانون والسلم المجتمعي ويضربها مع كل هؤلاء الضحايا في مقتل لصالح الذكورية التي يحركها  الكبت والعجز، فصار الذكر يذبح الأنثى بدم بارد وعلى رؤوس الأشهاد وعلى قارعة الطريق ويتعاطف كثيرين مع ذلك القاتل ويبررون له ما لا يبرر وينهشون عرض الضحية ويبحثون عن عذرية جثتها الهامدة المذبوحة، ويدافعون عن القاتل بشكل لزج ويقدمون له الفدية لفدائه، وليفلت من العقاب ليستحل من في قلبه وأعضائه مرض وعجز فيذبح بدوره الأخريات وهذا بالفعل ما حدث وسيظل يحدث فالردع المتوفر حاليًا يبدو أنه غير كافٍ مع تطور وتعقد وازدياد معدل الجريمة والكبت لدى الذكور المرضى المبتسرين.
وبعد انهيار منظومة القيم في المجتمع وكأنها طعنت كما طعنت تلك الفتيات، فبعد ذبح الشهيدة (نيرة أشرف) طالبة المنصورة، ذبحت إعلامية وفتاة أخرى في الشرقية وفتاة رابعة أمام أسوار المحكمة! وكأن القاتل يتحدى سلطة القانون ويستهين بالمحكمة كما تمت الاستهانة من قبل بأسوار الجامعة بل وتمت الأستهانة بأرواح الإناث وعلى وجه التحديد!
وصارت دمائهن مهدرة وحلال وكأنها مياة مهدرة بل وصار الدم أرخص من الماء! فالفتيات من وجهة نظر العقل الجمعي الذكوري الأصولي يستحقن القتل ولا يستحقن الحياة لمجرد رفضهن لذكر عاجز مكبوت أو معلول فكل ذي علة اليوم يحترف القتل والغبن ويجد من يهلل له!
وما العجب فيما نرى، فقد رمى جيران أحدى الضحايا جارتهم من الدور السادس لاستضافتها ذكر في بيتها!
وكأن الشرطة المجتمعية التي نادى بها الإرهابي المسجون (حازم صلاح أبوإسماعيل) والذي كان شعاره وقت انتخابات الرئاسة (لازم حازم)!
فالجبر والفرض والغصب والإلزام والإكراه والقتل والترصد والتربص والاغتصاب وكل الجرائم بمختلف أنواعها يبررها ذلك الإرهابي واتباعه من الحازمون القتلة الذين يعيشون بيننا ويمارسون حقهم في حرية الرأي والتعبير فيعبرون عن تعاطفهم مع القتلة ويعبرون عن رأيهم في شرف الضحايا اللاتي قتلن أو أنتحرن أو أجبرن على الانتحار في أقاليم مصر حيث تبتلع الفتيات حبوب الغلة بعد أن يتم فضحهن وابتزازهن بإساءة السمعة والتشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي صارت سوطًا مسلطًا على رقاب الإناث ليتم من خلالها تركيعهن وابتزازهن.
فإن أحبت الفتاة ذكرًا يتم فضحها وابتزازها فتذهب للموت الرحيم بأرجلها فلا سبيل أمامها للفكاك ولا خيارات أمامها سوي الموت، وإن رفضت الفتاة ذكرًا معلولًا قتلها بدم بارد.
وإن أعتقد أحدهم أنه قد منح مالًا أو هدايا لأحداهن ثم أعتبر ذلك استغلالاً! فيكون حلالاً عليه قتلها! ويطلب زوج من صديقه تصوير واغتصاب زوجته التي تحمل في أحشائها جنينه كي تتنازل له عن حقوقها المالية فتموت الزوجة وهي تدافع عن نفسها!
وبالتالي أصبح ذلك المنطق (اللامنطقي) مطروحًا منذ أن تخلى الذكر عن فكرة (القوامة) المدعاة.. القوامة التي يتباهى بها الذكور ويعتبرونها تشريفًا لهم لا تكليفًا عليهم وأمتنع غالبية الذكور في البلاد عن فكرة الانفاق على زوجاتهن أو شقيقاتهن رغم أنهم متمسكون بحقهم في الميراث الشرعي وأن يكون للذكر من المال مثل حظ ونصيب الأنثيين!
فعندما يتعلق الأمر بأخذ المال يتم استدعاء الشرع ويكون الميراث هو أحل الحلال، لكن عندما يتعلق الأمر بالانفاق على الأنثى وفقًا للشرع أو العرف أو مبدأ القوامة يكون مصير تلك الأنثى هو القتل، وكم من الإناث قتلن أيضًا ليحرمن من ميراثهن، فالأنثى إن أرادت الحب أو مارسته تقتل وإن رفضته وعافته تقتل وإن أرادت أخذ ميراثها الشرعي قد تقتل، وإن كان هدفها العمل والكد والسعي واستشراف الغد والمستقبل ووجدت عملًا يمنحها المال أو الشهرة وتفوقت على الذكر المكبوت ذو العلل أيضًا تقتل لتتخلص من العار لأنها لم تسير في الطريق القويم.
والطريق القويم من وجهة نظر القاتل والمتعاطقين معه هو طريق الخضوع والخنوع والانبطاح والقبول بذلك الذكر لأنه أرادها ويريدها أما هي فليست مخيرة في أن ترفضه أو تعافه!
فإن رفضته الفتاة، هذا يعني أنها تجاوزت حدودها ولم ترضخ بما هو كافٍ أو مرضٍ له ولغيره، فتكون وتصبح في نظره ونظرهم فاجرة لا تريد الستر والسترة والخباء لذلك وجب قتلها والتخلص منها ومن عارها! عار رفض الذكر ورفض الخضوع والخنوع ورفض الخباء والتشبث بحقها في العمل والاختيار!
في فيلم (الطوق والأسورة) والذي ناقش قضية الثأر وقضايا الشرف وقتل في الفيلم الراحل عبدالله محمود ابنة عمه فرحة، وقتل معها أي فرحة لأنها فاجرة من وجهة نظره وتستحق القتل ليثبت بذلك ذكورته وثأره لشرفه في حين أنه كان ينتقم في حقيقة الأمر من عجزه وعلته وقلة حيلته.
وشخصية ذلك القاتل تتكرر منذ ذلك العهد في الواقع وليس فقط على الشاشات بل وتمتد لما قبل ذلك وتستمر حتى يومنا هذا، ومؤخرًا صارت تتشطى تلك الظاهرة بشكل محموم ومتكرر، وفي  المأثور الشعبي كذلك - وللأسف - يتم الاحتفاء بقتل (متولي) لشقيقته (شفيقة) ويبارك القاضي -في الموال الشهير - لمتولي على فعلته وأنه زين الرجال ولا لوم عليه!
ونرى اليوم في واقعنا مثل ذلك القاضي بل وقام أحدهم بارتكاب جريمة قتل في الواقع وقتل زوجته، وهكذا تكون قد عادت قضايا الثأر لتطل علينا من جديد، فكل الجرائم التي يشهدها مجتمعنا ما هي إلا جرائم ثأر وشرف من مدعي الشرف! في حين أن العجز والعلة والكبت هو المحرك الحقيقي لتلك الجرائم.
الإناث في بلادي يتساقطن الواحدة تلو الأخرى وصارت جرائم قتل النساء خبر معتاد ومتكرر على صفحات الجرائد والسوشال ميديا! أما الجديد - ليس فقط اعتياد القتل - بل تبريره بالخوض في سمعة الفتيات والتعاطف مع الذكور القتلة، في حين أنه وقبل قرن مضى كانت جرائم قتل النساء على يد العصابات المنظمة لا تلقى مثل ذلك الاستحسان الذي نراه اليوم بعد مضي قرن من الزمان!
ومع تطور وضعية المرأة على المستوى الرسمي ومساندتها ودعمها وتمكينها من الدولة وصناع القرار، نرى أن للذكور المكبوتة المعلولة رأي أخر ضد ذلك التمكين وتلك الاستحقاقات، فهؤلاء لا يريدون تمكين المرأة يل يريدون العودة بها للوراء ولخلف الخلف وادخالها في الطاعة وان عليها الرضوخ والقبول والسمع والطاعة لهؤلاء الأصوليين السلفيين الذكوريين أعداء التمدين والدولة الحديثة والجمهورية الجديدة.. أعداء الفن والجمال والنور عباد العتمة والقتل وعشاق الجريمة.
إن حال ووضعية المرأة على المستوى الإجتماعي صار حقًا حالاً بائسًا ووضعية مزرية وكأن الدولة تخاطب شعبًا ومجتمعاً أخر لا نعرفه ولا تعرفه الدولة، فيعيش بيننا سلفيون أصوليون ذكوريين مكبوتين ينتقمون من المرأة ومن الوطن ومن الدولة ومن الجمال ومن الحياة لصالح الموت والعدم والفناء.
فهؤلاء لا يحبون المرأة لأنهم لا يحبون الجمال ولا يحبون الحياة ولا يحبون أنفسهم.
هؤلاء يكرهون المرأة ويحتقرونها ويحتقرون الحياة.
يشتهون النساء في السر لا العلن والشهوة شيء مختلف كل الاختلاف عن الحب.
الشهوة عندهم تقتل الحب وتنتقم من الحياة في نسائها 
الشهوة لديهم غواية و شهوتهم تجاه المرأة جعلت منهم مذنبون وقتلة وأصبحت النساء ضحايا.
لذلك لابد من وقفة حازمة ضد قضايا الثأر والشرف والقتل وتجريم التشهير بالإناث أحياءً والتمثيل بجثثهم والعبث بها بتصويرها والكشف على عذريتها وأن يكون الأخر معنيًا بعذرية ضحية وقتيلة أكثر مما هو معني بازهاق روحها دون ذنب.
وبعد قتل كل تلك الإناث يكون ذكور هذا المجتمع من القتلة قد قتلوا المجتمع كله وقتلوا الناس جميعًا، ونكون جميعًا مدانون ومتواطئون بالسكوت والرضى بذلك المصير اليائس والرضا بثقافة الكراهية، كراهية الحياة والجمال والمراة وأن تعاني النساء في أقاليم مصر ومناطقها الشعبية بالأخص من كل هذا الغبن.
أما بالقتل تارة والحرمان من الحياة أو الحرمان من الميراث الشرعي، كلنا مدانون ومذنبون إن استمر الحال على ما هو عليه الآن وظل مسلسل قتل الفتيات وسلسال الدم هذا قائمًا ويكون واجب علينا تسليم أنفسنا لضمائرنا وجهاتنا الرسمية لاتخاذ اللازم لوقف الجرائم والمهازل والتصدي بحزم وحسم لكل تلك الموبقات لتعود الفتاة ابنة الريف للحياة الكريمة ولواقع أكثر تمدينًا تسود فيه قيم التسامح والحق والعدل وقبول الأخر وسيادة القانون.
وبما أن المرأة هي الضحية والحقوق والحريات هي الحكاية، فلنردد جميعًا ما ردده الراحل الكبير (أبو العروسة) الفنان القدير (عماد حمدي) في فيلم (ثرثرة فوق النيل) فصرخته وهتافه  في الفيلم يفرض نفسه علينا اليوم وعلى مصير نساء البلاد المأساوي البائس.
وليكن ذلك الهتاف وذلك الشعار بديلًا لكل الهراء والغثاء والعته الذي يبث وينشر كسموم التعاطف مع القاتل ضد الضحايا والشهيدات! ويكون الرد الحاسم على كل ذلك بشعار نبيل فيه استحقاق، شعار نردد فيه ما ألفته آذاننا وسمعناه في ثرثرات النيل وبكائه وعديدة على من رحلت بعبارة رشيقة وحقه تقول (الفلاحة ماتت ولازم نسلم نفسنا)