رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

مصحات الإدمان «غير المرخصة».. البحث عن «الحياة» في «عيادات الموت»

مصحة إدمان
مصحة إدمان

قبيل عامين تقريبًا، كان محمد عبده يعد عدته للتواجد في أحد مصحات علاج الإدمان، لم يسمع لنداء المحيطين الذين أكدوا له أنّ تلك المصحات الموجودة في مناطق شعبية تستخدم أدوات القسوة في العلاج.

"أسوء أيام حياتي قضيتها هناك، شوفت أنواع مختلفة من التعذيب"، هكذا يحكي الشاب الثلاثيني عن 4 أسابيع قضاهم في إحدى مصحات العلاج غير التابعة لوزارة التضامن، والموجودة في منطقة حدائق الأهرام، منوها أنهم كانوا يتعاملون بالقسوة وكأنها المعيار الأساسي للعلاج.

وأشار "عبده" إلى أنّ بعض المصحات تعتمد على إعطاء المدمن جرعات من المخدر تقل تدريجيًا حتى يستطيع التخلي عنها، لكن هناك كان يُذلّ حتى الحصول عليها سواء بالإهانة أو الضرب، مشيرًا إلى أن بعضهم حاول الهرب أو إضرام النيران بتلك المراكز أو القفز من الطابق الثالث في محاولات هروب جماعي مع زملائه.

ولفت الشاب الذي نجا من محاولة انتحار أثناء تواجده هناك: "لجأت لشقيقتي بعد عذاب شديد، وصدقت ما قلته، لأن بعض الأهالي يتصورون أن المتضرر يقوم بعمل ذلك لصعوبة العلاج وعدم الرغبة في التكملة. قامت هي بالإبلاغ عن المركز ومن ثم نقلي لآخر تابع للوزارة".

حملات لضبط المخالفين

مؤخرًا استطاعت الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والترخيص خلال الشهور الأخيرة، ضبط العديد من مراكز علاج الإدمان غير المرخصة، وغير مطابقة للمواصفات، في حملات متفرقة شنتها على مختلف محافظات الجمهورية، كشفت عن وجود عددًا من المراكز التي تُدار بدون ترخيص ولا تفصل بين المرضى النفسيين ومرضى الإدمان.

نتيجة تلك الحملات كانت واضحة عندما تم تمكنت الأجهزة الأمنية من مداهمة 6 مصحات لعلاج الإدمان تعمل بشكل غير قانوني، بعد رصد احتيالها على المواطنين على مدار أسبوع كامل، واتخاذ الإجراءات القانونية ضدها.

إهمال المصحة والانتحار

وقال الدكتور أحمد هلال أستاذ الطب النفسي، حول تزايد حالات الانتحار في مصحات الإدمان، إن "الانتحار بسبب الإدمان هو حالات نادرة، سببها الإهمال النابع من المصحة ذاتها، فقد أصبحت وسيلة لجني الأموال لا لعلاج المرضى، وكلما تقوم به هو تحديد إقامة المريض وعقد جلسات نفسية روتينية له، بالتالي يصبح العلاج بلا جدوى".

وأضاف "هلال" لـ"الدستور"، أن "الروتين المتبع في المصحات أكبر عامل يدفع المريض للانتحار، معتقدًاأن المريض يلجأ للمصحة عندما تفرغ جيوبه من الأموال، فيجدها الحل الوحيد بعدما يجبره الأهل على ذلك، وبداخلها يأمل العلاج لكنه يجد العكس".

في منطقة السادس من أكتوبر، عمد "ع.أ" شاب في أواخر العشرينات من عمره، على إدمان المخدرات بكل أنواعها، بعدما دفعه أحد أصدقائه إليها من أجل تجربتها، إلا أن والديه فور علمهما بالأمر قررا إدراجه في مصحة علاجية هناك، إلا أنه لم يستطع المكوث فيها طويلًا حتى فوجئت إدارة المصحة بإشعاله النيران في نفسه.

انتحار شاب

وكان الثالث من أكتوبر عام 2019 شاهدًا على آخر أيام هذا الشاب، الذي فضّل الانتحار على تحمّل آثار انسحاب المخدر من جسده، أثناء رحلة العلاج التي لم تكتمل على خير، كذلك رفض مسئولوا المركز خروجه لعدم استكماله فترة علاجه المقررة له.

تحقيقات النيابة العامة في واقعة الانتحار داخل المصحة، كشفت عن كارثة كبرى وهي أن المركز عبارة عن فيلا مكونة من 3 طوابق، تقع بالحي المتميز، التابع لدائرة قسم شرطة أول أكتوبر، لكنها غير مرخصة، وشهدت حادث الحريق الذي أسفر عن مصرع أحد النزلاء وإصابة 4 بحروق متفرقة، وتم نقلهم إلى المستشفى لتلقى العلاج.

انتحار تلك الحالة في مركز علاجي غير مرخص، كان خيطًا التقطته "الدستور" لفتح ملف ماذا يحدث داخل مراكز علاج الإدمان؟.. لاسيما بعد تكرار واقعة انتحار النزلاء بها، وتحولها إلى مقابر للموت، في وقت تتزايد فيه معدلات الإدمان في مصر ويتبع فيه الأطباء طريقة علاج خاطئة تدفع المتداوين للانتحار.

اشتراطات رسمية

ويحدد القانون رقم 153 لسنة 2004 المعدل لبعض بنود القانون 51 لسنة 1981، الضوابط لمطابقة المركز للشروط الصحية، من حيث الاشتراطات الصحية في المراكز والعيادات والمستشفيات، ومنها في المركز الخاص أن يكون به وحدة سكنية مستقلة،وغرف الكشف جيدة الإضاءة والتهوية وكاملة التجهيزات، ومكان مخصص للانتظار مناسب للمرضى ومكتمل الخدمات، ويكون مدير المركز طبيبًا ومالكه طبيبًا ومن يعمل بها أطباء.

وهناك اشتراطات خاصة بمراكز علاج الإدمان والطب النفسي، حددها القانون فمثلًا تكون هناك اشتراطات للسلامة تتمثل في وجود قضبان حديدية على المنافذ، وألا يوجد بها آلات حادة يمكن أن يستخدمها المريض في الإضرار بنفسه، وعدم وجودأسلاك كهربائية أو حبال يمكنه خنق نفسه بها، ولابد من وجود جرس أو تليفون داخل الحمام، وفي حالة أن يكون فيه علاج جلسات كهربائية يشترط وجود غرفة للرعاية المركزة تجنبًا للطوارئ وغير تلك الاشتراطات.

عيادات آمنة

في الوقت نفسه توجد في مصر عدد كبير من العيادات المعنية بالقضاء على الإدمان، ولكنها تعمل وفق اشتراطات رسمية نابعة من وزارة التضامن الاجتماعي، ورقابة صارمة تتم على كل العيادة كي لا يحدث أي خروج عن النص، أو عدم التزام للبروتوكول العلاجي الذي يتم العمل به.

تواصلت "الدستور" مع أطباء تلك المستشفيات والعيادات لرصد مراحل علاج المرض النفسي، وفرص التعافي منه، ومع عدد من المرضى الذين خضعوا للعلاج، واستطاعوا التعافي منه بعد خوضهم لفترات مختلفة من التأهيل النفسي.

في منطقة فيصل توجد أحد تلك العيادات، فتوضح الدكتورة شيرين ممدوح أخصائي العلاج النفسي بالمستشفى، الدكتورة شيرين ممدوح، خلال حديثها مع "الدستور" أنواع المرض النفسي قائلة، "الاضطراب البارانوي يأتي في مقدمة الأمراض النفسية، كونه يشكل خطورة كبيرة فهو يجعل المريض لديه دافع كبير للقتل بناءً على تفكير وهمي بداخله أن هنا كشخص ما يريد قتله".

وأضاف "مرض الصرع يأتي في المقام الثاني، فالمريض به قد يقتل لكن دون وعي تام بما يفعله، ثم مرض الهوس الذي يخلق مشاعر عدوانية بداخل المريض؛ ما قد يدفعه إلى التصرف السيئ مع الأقربين منه دون تعمد، وأخيرًا مرض الوسواس القهري الذي يخلق رغبة لدى المريض في إيذاء الأشخاص الذين يتعاملون معه؛ بسبب الومضات التي تُعرف في الطب النفسي على إنها فكرة تتكرر دون توقف".

وعن العلاج، تشرح: "التأهيل النفسى داخل مكان مغلق لمدة لاتقل عن ستة أشهر، بجانب الرعاية والمتابعة الدورية، وأن يكون المريض قادرًا على التخلص من التفكير فى ارتكاب الجرائم، وحضور اجتماعات للتأهيل النفسى بعد العلاج، بالإضافة إلى إرادة الشخص نفسه".

وفي "إشراق" أحد مراكز علاج الإدمان والأمراض النفسية الواقعة في المعادي، والذي يتوافر به فريق علاجي يمتلك خبرة أكثر من ١٥ عامًا في برامج التأهيل النفسي والسلوكي، كمايضم عددًا من الأطباء والإخصائيين النفسيين والممرضين، ويوفر أيضًا إقامة فندقية ووجبات وبرامج تنمية للمهارات والسلوك أثناء فترة التعافي.

أوضح الدكتور أحمد إسماعيل، مؤسس المركز أن البرنامج العلاجي الذي يخضع له أي مريض نفسي بغض النظر عن نوعه، هو علاج معرفي سلوكي، تتراوح مدته ما بين عدة أشهر، حسب تصنيف الحالة من حيث درجة الخطورة، مضيفًا: ويُعد التأهيل البدني من أهم طرق علاج الإدمان حاليًا، فهناك غرفة مخصصة لإجراء بعض التمارين الرياضية داخل المركز».

واستكمل أنه يوجد نوعان من الحالات المرضية، أحدهما بسيط يمكن متابعته منزليًا من خارج المركز، والثاني معقد ويتطلب علاجه عزل المريض داخل المركز لمدة معينة طوال فترة التعافي، ويعمل المختصون على تنظيم جدول معرفي وسلوكي لتأهيل المرضى، إضافة للأنشطة الرياضية التي يتابعها أحد المختصين الرياضيين.

حالات النجاة

"المريض النفسي آخر من يعلم بمرضه"، وصف دقيق يُلخص حال الكثير من المرضى النفسيين، وكان من بينهم عمرو.ع، 29 عامًا، الذي عانى من مرض الهوس فترة طويلة؛ مما دفعه للتعدي على أشقائه الصغار بشكل متواصل، ومعاملة والدته بأسوء الطرق الممكنة، بالإضافة إلى مرحلة الإدمان التي أقحم نفسه بها دون أن يشعر، حتى وصل به الحال إلى ارتكاب جرائم السرقة من أجل الحصول على مبتغاه من أشياء مادية.

"كنت هقتل إخواتي في يوم من الأيام، ومتعالجتش غير لما اعترفت بمرضي"، هذا ما يقوله الشاب عن خوضه للعلاج من المرض النفسي الذي أصابه، موضحًا لـ"الدستور"، أنه خضع للعلاج داخل مستشفى للأمراض العقلية لمدة ستة أشهر حتى استعاد عافيته من جديد، واستطاع أيضًا التعافي من جميع أنواع المخدرات التي كان يدمنها.

وأضاف عمرو، أنه عاد إلى بيته من جديد ممتنعًا عن المعاملة السيئة التي كان يمارسها مع ذويه، مختتمًا حديثه بجملة: "بحاول أعوضهم عن الشر اللي شافوه مني، وقريب هتجوز علشان ابني حياتي من جديد".

3.5 مليون مصري يعاني من الإدمان

وكشفت آخر تقارير الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة، والأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، حول انتشار الإدمان في مصر، أن 25% من سكان مصر يعانون من أمراض نفسية، ونحو 3.5 مليون مواطنًا يعانون من الإدمان، 10% منهم يحتاجون إلى الحجز داخل المستشفيات، ويتطلب علاجهم توفير حوالي 5779 سريرًا.

وفي دراسة أخرى نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تبيّن أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 – 19 عامًا، أي ما يقارب 10 مليون مواطنًا، يعاني 30% منهم من أمراض نفسية، و0.86% منهم يدمنون المخدرات، و4.7% يدخنون سيجارة التبغ والشيشة والسيجارة الإلكترونية.

الهروب من مصحات الموت

قال "حسام.م"، إنه تعاطى العديد من أنواع المخدرات طوال السنوات الماضية، لكنه قرر في وقت ما أن يتخلص من تلك المواد التي أنهشت جسده، ليتوجه إلى إحدى المصحات النفسية بمحافظة الإسكندرية، لكنه رأى بداخلها ما لم يمكن يتوقعه، معبرًا عن ذلك:"اكتشفت إن حياتي في الإدمان كانت أهون من دخول المصحة".
وصف الشاب العشريني الفترة التي قضاها داخل المصحة المشبوهة:"كنت بموت من التعب كل يوم، والناس المسؤولة عننا كانوا بيقعدوا يشربوا حشيش على السرير اللي قدامي".

واستكمل:"كنت أخضع لمرحلة التعافي كما اعتقدت، لكن اتضج أن هذا المكان كان عبارة عن تجارة خفية للمخدرات بجميع أنواعها (ترامادول - بودرة - حشيش)، وحين سألت المشرف المسؤول عن غرقتنا بعد مرور أربع أيام دون أي جديد، نصحنا بالهروب من المصحة في أقرب وقت حتى لا أقع في الأذى الذي تعرض له من كانوا هنا قبلي".
استطاع حسام الهروب بالفعل بعد مخاطرة كبيرة عاشها داخل هذه المصحة الإجرامية، متذكرًا ما كان يردده النزلاء عن الراغبين في الهروب، وتعرضهم للضرب والسحل من قبل المسؤولين عن المكان، مشيرًا إلى أن هناك عدد من الأشخاص لقوا حتفهم داخل المصحة أثناء تنفيذ عملية هروبهم.
 

صندوق مكافحة وعلاج الإدمان: عالجنا 50 ألف شخص في 4 أشهر

ومن جانبه، قال عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، إن الخط الساخن للصندوق استقبل نحو 50 ألف شخصًا في الفترة من شهر يناير لشهر أبريل للعام الحالي، واستقبلتهم المراكو العلاجية الموزعة في 17 محافظة على مستوى الجمهورية، بعدد 28 مركزًا، وكشفت البيانات أن أغلب المتعاطين تتراوح أعمارهم بين 15 لـ20 عامًا، بنسبة 40.35%، و37.75 % بدأوا التعاطي من سن 20 لـ 30عامًا.

أما عن أكثر المواد المخدرة إدمانًا، فقد احتل مخدر "الحشيش" النسبة الأكبر بمعدل نسبة 34.63%، ثم مخدر الهيروين بنسبة32.62 %، وفي المرتبة الثالثة جاء مخدر الترامادول بنسبة19.97%، أما باقي أنواع المخدرات بلغت نسبتها 7.81%.

ووجه "عثمان" نصيحته للمواطنين بضرورة التواصل مع الخط الساخن للصندوق (١٦٠٢٣)، وعدم الانسياق وراء المصحات الوهمية غير المرخصة، التي تودي بحياة المواطنين إلى الهلاك، مؤكدًا أن الصندوق يضمن للمقبلين على العلاج جميع سبل الأمان والحماية لحين التخلص من الإدمان نهائيًا، وشدد أيضًا على ضرورة الإبلاغ عن هذه الأماكن المشبوهة، ليقوم الصندوق بدوره في إبلاغ الجهات المعنية، وإجراء التفتيشات الأمنية على هذه الأماكن، واتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم.