رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

"أريد امرأة حرة".. هكذا يتكلم الرجل الحر

يبدو أننى سأبدأ فى الكتابة إلى الرجل بعد أن يئست من الكتابة إلى المرأة، ربما الكتابة عن حرية الرجال ستحفز النساء لترك أماكنهن من تحت خط الحرية، ويقفزن فى حركة جماعية رشيقة بأسلحتهن الناعمة والخشنة سواء المسموح بها أو المحرمة محليًا ودوليًا لتحطيم ونسف وتدمير سجن الباستيل الذكورى مرة واحدة وإلى الأبد.
ربما عندما أكتب عن الرجل الحر تشتاق المرأة لامتيازات الحرية وتهجر باختيارها الامتيازات الزائفة، الفاسدة، الخبيثة، التى تحصل عليها فى الباستيل الذكورى مع وجبة الطعام.
من روائع الحرية والتى تجعلها مخيفة، منبوذة، مكروهة، أنها تسبب "العدوى" لمنْ يقربها أو يلامسها أو يقبلها أو يحتضنها، ربما حين أكتب عن حريات الرجل تنتقل "العدوى" إلى المرأة ولو بمجرد الحديث عنها.
ولنبدأ من البداية، من أين تبدأ حرية الرجل؟ متى يتمتع الرجال بالحقوق والحريات فى مجتمعاتهم؟ وما هى "توليفة" هذه الحقوق والحريات؟ وهل تشمل مراحل العمر المختلفة أم تقف عند مرحلة معينة؟
لا أعتقد أن أحدًا يجادل حين نقول إن أول الحقوق والحريات تبدأ مع الطفولة التى تشهد بدايات وعى الطفل الولد بالعالم الخارجى منذ لحظة انفصاله عن رحم الأم أو كما يسميها علماء النفس "صدمة الميلاد".
تتشكل فى الطفولة نظرة الولد لمعنى وحدود السلطة أو إلى "عالم الكبار"، يجسده فى البيت الأب والأم، وفى المدرسة يجسده الناظر والمدرس، وهذه مسألة مهمة، حيث إن العلاقة بـ" الكبار" تمس- فى جوهرها- مساحة الحرية الممارسة والشكل اللاواعى لمعنى "الأنا" و"الآخر".
يبدأ حق الطفل الولد فى أن يفلت من سلطة الكبار الذين يملكون الغذاء والحماية والفلوس والقرار، بينما هو ضعيف لا حول له ولا قوة، هذا سيعفى الولد من الكذب والالتواء لينال ما يريده دون عقاب.
من حق الولد فى طفولته أن يلعب ويتساءل ويكتشف هوايته المحببة ويمارسها، من حقه أن يتخيل دون خوف، من حقه أن ينقد الكبار، من حقه ألا نسخر من محدودية إدراكه، من حق الطفل الولد أن يختلط بالأطفال البنات دون أن يشعر بالذنب أو الخطيئة، فإذا ما كبر هذا الولد ودخل مرحلة المراهقة، اتسعت دائرة حقوقه وحرياته التى يكفلها له المجتمع الصغير والكبير فهو على أعتاب الرجولة وتقلقه تساؤلات حول استقلاله وتفرده، وعلاقته بالجنس الآخر "المرأة".
واستكمالًا للحقوق والحريات فى الطفولة والمراهقة لا بد أنه سيتشبث بحرية التجربة والخطأ وحقه فى إثبات أنه "موجود" بالرأى والفعل أو حتى بالصمت وعدم الفعل، وفى مرحلة الجامعة ثم الوظيفة من حقه أن يتكفل المجتمع بتوفير التعليم الذى يلائم اتجاهاته وقدراته، وكذلك بتوفير العمل الذى يحقق ذاته، فيه كإنسان مبدع مفكر يستطيع إثراء حياته الخاصة وحياة مجتمعه.
ثم يريد هذا الرجل أن يتوج دائرة الحقوق والحريات التى اكتسبها منذ الطفولة حتى نهاية التعليم والحصول على وظيفة مناسبة، يريد الرجل أن يتزوج ويكون أسرة يتلفت رجلنا حوله يبحث عن المرأة المناسبة التى يمكن معها أن يخفق القلب ويمكن أن تكون مسئولية الأسرة معها متعة وإضافة لحرياته التى تربى عليها منذ الصغر وليست شرًا لا بد منه أو واجبًا ثقيلًا لمجرد تقليد الآخرين.
يبحث رجلنا بين النساء تُرى منْ تعجبه وتثير فضوله؟ الرجل حقًا فى مشكلة كبيرة وبحثه لن يكون سهلًا، منذ "صدمة الميلاد" وحتى تحقيق "الذات" كان يعيش مسيرة حقوق قائمة على حرية اللعب والنقد والفعل والخطأ والسؤال والسفر. وليس هناك أى سبب يدعونا لافتراض أن هذا الرجل حين يفكر فى المرأة لن يبحث عن واحدة لم تعرف هذه الحقوق والحريات نفسها إلا إذا كان مريضًا نفسيًا أو وقع فى مصيدة الازدواجية الأخلاقية الفاسدة ولكن الحرية التى تربى عليها من فوائدها أنها تمنع الاضطرابات النفسية وتحقق للإنسان الاتساق النفسى.
إذا من الطبيعى أن رجلنا لن يرضى ولن يقنع أو كما يقال لن "تملى عينه" إلا امرأة لها مقومات شخصيته، هذا هو المنطق البسيط ومع بساطته لا يحدث فالمجتمع نفسه الذى حرص على خلق الرجل الحر المتمتع بجميع حقوقه وحرياته منذ الصغر نسى أن يضمنها للنصف الآخر وبالتالى نكون أمام الصورة السائدة والغالبة:
هو تربى على الحرية، هى تربت على القهر، هو تربى على نقد الكبار، هى تربت على حاضر ونعم، هو تربى على الاختلاط مع البنات هى تربت على أن الرجال ذئاب وشياطين.
ولكن المفارقة أنها تربت أن تخضع لهم أو أن الرجل الذئب نفسه هو "الأمان" الأمثل لحياتها، هو تربى على أهمية التفكير والعقل، هى تربت على أهمية تجميل الوجه والجسد، هو تربى على خوض التجارب، هى تربت على التراجع والانسحاب، هو تربى على أنه سبب للفخر  وأن اسمه "شرف" هى تربت على أنها "عورة" واسمها "عار"، هو تربى على أنها جزء من عالمه، هى تربت على أنه كل عالمها.
هذه الصورة لا تعمل فقط ضد سعادة الرجل واستمتاعه بالحياة وتحول دون الصحة النفسية، لكنها أيضًا تسحب منه مزايا الحريات ومعنى الحقوق التى تربى عليها منذ طفولته حتى أصبح رجلًا مكتملًا، فهو يريد امرأة مسئولة عن نفسها كما هو مسئول عن نفسه، يريدها أن تستمتع معه بمتعة الشمس والهواء وتسبح مثله فى البحر بالزى الطبيعى للسباحة وليس بالعباءة الشرعية الساترة عورتها الخائفة من عيون الناس وكلامهم.
يريد منْ تستطيع أن تعترض إذا أخطأ، ومنْ إذا ضعف تستطيع إذكاء إرادته، يريد منْ تناقشه بالعقل والحجة فى أمورها وأمور مجتمعها وأمور العالم، يريد امرأة منذ الصغر وحتى أصبحت جاهزة للزواج لعبت وتخيلت وجربت وأخطأت وانتقدت واعترضت ومارست هوايتها وسافرت دون محرم، يريد امرأة بينه وبينها لغة مشتركة فى الفن والسياسة والفلسفة دون كل هذا تصبح المرأة عبئًا نفسيًا وماديًا على الرجل، وهذا هو السبب الرئيسى فى الزواج التعيس الممتلئ بالأكاذيب والتناقضات، وهذا هو أكبر عامل فى فشل العلاقات العاطفية، كلها قائمة نتيجة هذا الوضع المختل بين "أعلى" فى كل شىء "الرجل" وأدنى "المرأة".
الوضع الطبيعى والمنطقى والسوى نفسيًا، أن يطالب هذا الرجل المجتمع بالبقية الباقية التى تكون مسك ختام حقوقه وحرياته ألا وهى حقه فى "امرأة حرة" كجزء عضوى من اكتمال حقه فى "المواطنة"، الرجل الحر السوى نفسيًا لن يقبل بأقل من امرأة حرة.
ونسأل أنفسنا وفقًا لهذا المنطق،  كم من الرجال الأحرار حولنا؟ صحيح أننا فى مجتمعات منظومة الحريات والحقوق حتى للرجال غير مكتملة، ولكنه صحيح أيضًا أن الحريات والحقوق التى يتمتع بها الرجال أكثر وأشد رسوخًا وتقبلاً من تلك التى تتمتع بها النساء.
تُرى كم من الرجال أحرار حولنا؟ رجال يتشبثون بحقهم الطبيعى العادل لا يسكتون عنه ولا يخجلون منه، كل رجل حر منهم يعلن "أريد امرأة حرة" مثلما يعلن أنه يريد وطنًا حرًا وتعليمًا رفيعًا وبرلمانًا حرًا ووظيفة تناسب مؤهلاته وقدراته ومسكنًا كريمًا وتأمينًا صحيًا وفنًا راقيًا وصحافة حرة وعقائد حرة وإبداع حر ومشاركة سياسية حرة.