رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ألقاب بجرّة قلم

الإنسان الطموح الذى يعشق النجاح يبحث عن كل مسبباته، والطرق التى تصل به إليه، ولا يبخل بوقته أو جهده أو ماله فى سبيل الحصول على ما تتوق إليه نفسه، فالنجاح فى حد ذاته غاية لا يمكن تجاهلها أو الالتفات عنها، وهو أيضًا وسيلة للشعور بطعم ولذة الحياة، فهو أحد أسباب التشبث بها، لأنه أمل يعيش من أجله الشخص الطموح، ولكن ليس من المنطق أن يتحقق ذلك النجاح بجرة قلم، فالأزمة تبدأ عندما تظهر سلوكيات للبعض تُتفّه من مجهودات النجاح وتهمشه، وتجعله وليد الصدفة، فهنا تموت الأحلام، وتضمحل الطموحات.

ففى الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة سخيفة للغاية، وهى قيام بعض المراكز مجهولة الهوية بمنح الألقاب والدرجات العلمية لأى شخص يبغون مجاملته أو تلميعه اجتماعيًا، ولذا تجد من يلقب بدكتور، وهو ربما لم يحصل حتى على الشهادة المتوسطة، ومن يُطلق عليه «مستشار، أو سفير، أو وزير مفوض»، أو غيرها من الألقاب التى كان الإنسان يظل يدرس ويبحث فى المراجع ويسهر الليالى الطويلة لكى يحصل عليها، والتى كان نصف عُمْره أو أكثر يذهب وهو فى رحلة الصعود للوصول لتلك الألقاب، ولكن الآن أصبح الأمر برمته يحدث بجرة قلم من شخص نصّب نفسه رئيسًا لأحد المراكز التى يطلق عليها أى مسمى به كلمة دولى أو دولية، لكى يشعر من يقرأ عنوان ذلك المركز بأهمية المكان، ومدى قوته، وغالبًا ما ينسخ بعض التعليمات الخاصة بالبروتوكولات الدولية من أى موقع إلكترونى، وتلك التعليمات توضح أهمية الشخص الذى يحظى بالانتماء لهذا المكان، ومدى تأثيره مجتمعيًا فى حالة فوزه بالمنصب الذى سيقوم رئيس المركز بالإنعام به عليه، علاوة على الكارنيه الذى يتم طبعه باسم ذلك الشخص، والشعار المدرج به الذى يؤكد أن هذا الكارنيه تابع لجهة دولية معتمدة، وبالطبع لا يغفل رئيس المركز عن إقامة العديد من الحفلات، ودعوة بعض الشخصات العامة من مشاهير المجتمع، والتقاط الصور التذكارية معهم، وبثها عبر وسائل التواصل الاجتماعى لإعطاء المصداقية للمركز الذى يترأسه، ولكسب ثقة ضعاف العقول من الذين تهفو نفوسهم للحصول على أى لقب يزيد من بريقهم أمام المجتمع، ويجعلهم فى مصاف المثقفين، ونجوم المجتمع، والمشاهير، وأصحاب المناصب الرفيعة.

ولا خلاف على أن تلك السلوكيات لها مردود أخلاقى ومجتمعى وقانونى، فمن الناحية الأخلاقية فإن تلك التصرفات تقتل بذرة الطموح لدى الشباب الواعد، بسبب استشعارهم بأن أى شىء يمكن الحصول عليه بجرة قلم من شخص ليست لديه أى صفة قانونية أو رسمية لمنح ألقاب فى غاية الخطورة لا يملك منحها سوى جهات ومؤسسات سيادية فى الدولة، ولا يتم منحها إلا لأشخاص تدرجوا فى وظائف محددة، أو حصلوا على درجات علمية معتمدة وموثقة.

علاوة على أن هذا الأمر له تأثير سلبى على ثقافة المجتمع، لأنه ببساطة شديدة يُعرِّض البسطاء لجريمة من أخطر الجرائم، وهى جريمة النصب والاحتيال، لأن أى شخص يملك كارنيهًا به شعار، ومختوم ومعتمد من شخص وضع قبل اسمه حرف «الدال»، وفوق اسمه كلمة المستشار أو الوزير المفوض أو السفير، فهنا سيتمكن الكثيرون من خداع الآخرين تحت مظلة هذا اللقب وذلك الكارنيه، وسيحصلون على ثقة الغير بمنتهى السهولة واليسر، وهنا ستتزايد نسبة الجرائم التى تحدث تحت مظلة الخداع، خاصة أن البشر من طبيعتهم الانبهار بالألقاب، والكارنيهات، والشهادات.

وأخيرًا، لا بد من تطبيق قانون يعاقب وبالشدة الرادعة أى جهة تمنح صفات، أو ألقابًا، أو درجات علمية، طالما أنها غير موثقة، وغير معتمدة قانونًا.. وأيضًا لا بد من وضع شروط محددة للجهات المعتمدة والمصرح بها، خاصة بمَن يتم انتقاؤهم للحصول على تلك الألقاب، أو الدرجات الشرفية والفخرية، حتى لا يخضع الأمر للأهواء والعلاقات الشخصية، بمعنى أنه لا بد أن مَن يتم اختياره يكون له دور مجتمعى معلن، وأعمال وطنية لها تأثير إيجابى على المجتمع، ويجب أن يكون شخصية غير مُجهّلة، حتى يكون محل ثقة الآخرين، ونأمل أن تنتهى سريعًا ظاهرة منح الألقاب بجرّة قلم.