رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الأب جون الدومينيكاني: المتطرفون يتحدثون لغة واحدة مهما اختلفت مذاهبهم

الأب جون الدومينيكانى
الأب جون الدومينيكانى ومحرر الدستور

يؤمن الراهب جون الدومينيكانى، أستاذ اللاهوت العقائدى بالمعهد الكاثوليكى، بأهمية العلم والمعرفة لرجل الدين، ويفسر التعصب وكره الآخر بالجهل به، ومن هنا يطالب بتفعيل وثيقة الأخوة الإنسانية التى وقع عليها بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر، داعيًا المؤسسات والوزارات والجهات الرسمية إلى ترجمة حقيقية لها على الأرض، بتفعيل مبادئ التسامح والمساواة والحرية.

 

وأشاد أستاذ اللاهوت، فى حواره مع «الدستور»، بالجهود التى يبذلها البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، لضخ دماء جديدة فى الكنيسة القبطية من خلال دعمه الأساقفة الشباب لتولى مناصب قيادية، وحرصه على إرسال البعثات للدراسة فى الخارج حتى فى الكنائس التى لا تعتنق المذهب الأرثوذكسى. 

 

■ ما تقييمك لجهود البابا تواضروس فى قيادة الكنيسة الأرثوذكسية خاصة دعمه الأساقفة الشباب؟

- البابا تواضروس يدعم الشباب وفى عهده تولى الأساقفة الشباب المسئولية وبدأوا يقودون الكنيسة بطريقة جديدة ومختلفة. 

 

■ كيف ترى نتائج تجديد الخطاب الدينى المسيحى؟

- المسيحية فى العالم العربى تمر بأزمة، لأنها تشعر بأنها أقلية فتنغلق على نفسها أكثر وتتأثر كذلك بالجماعات المنغلقة أو المتعصبة داخل المجتمع.

ونلاحظ أنه كلما زاد عدد المتعصبين فى دين ما حدث الشىء نفسه فى الدين الآخر، وحين نحلل الخطاب الدينى للمتعصبين من أى دين نجد أنه واحد، لأن المتعصبين يتحدثون لغة واحدة.

فى المسيحية لم يصل المتعصبون بعد إلى مرحلة التحريض على العنف، لكن بالنسبة للخطاب الدينى المسيحى فإنه بحاجة لتغيير على مستوى اللاهوت لأنه لم يتطور فى مصر منذ ١٥٠٠ سنة.

ومنذ فترة بدأت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الانفتاح على الآخر، خاصة فى عهد البابا تواضروس الثانى، الذى بدأ فى إرسال البعثات التعليمية والطلاب للدراسة فى الخارج حتى لدى الكنائس الأخرى.

 

■ ما تقييمك لعلاقة الرهبان الدومينيكان بالكنائس الأخرى؟

- هناك ود وصداقة يظهران فى المشاركة وتبادل التهانى فى مختلف المناسبات، لكن علاقتنا بالمسلمين أقوى بسبب طبيعة مناهج الدير الدراسية.

 

■ فى رأيك.. ما مدى تأثير الدين فى المجتمعات العربية على السياسة أو الدولة؟

- تأثير كبير والسبب فى ذلك طبيعة العقلية العربية التى لا تستطيع التفريق بين الدين والدولة سواء بالنسبة للمسلمين أو المسيحيين. نجح بعض الدول العربية فى هذا الأمر مثل تونس، ولكن لتسود الفكرة فى المجتمعات العربية فإننا بحاجة لوقت طويل.

 

■ وهل ترى أن اللغة العربية أثرت فى اللغة القبطية؟

- هذا كلام غير دقيق، لأن اللغة القبطية ماتت تمامًا منذ القرن الثالث عشر الميلادى.

 

■ مكتبة ومعهد دير الدومينيكان بالقاهرة من المعالم المميزة لدراسات اللاهوت.. ما قصة تأسيسهما؟

- دير الدومينيكان تأسس عام ١٩٢٨ فى الأساس كملحق لدير فى القدس ليعكف الرهبان على إجراء دراسات معمقة على الكتاب المقدس، وكان فى ذلك الوقت يوجد قطار يربط بين القاهرة والقدس، وبعد ذلك ركز الرهبان جهودهم على الدراسات الإكوينية نسبة إلى القديس توما الإكوينى الفيلسوف واللاهوتى الشهير.

بدأوا بإجراء أبحاث خاصة باللاهوت وعن فلسفة توما الإكوينى، وفى بداية الخمسينيات فكَّر راهب مصرى من الإسكندرية اسمه الأب جورج شحاتة الذى يعد مؤسس المعهد، برفقة اثنين من الرهبان الفرنسيين فى تكريس حياتهم لدراسة الإسلام من مصادره الأصلية، خاصة مع انفتاح الكنيسة الكاثوليكية على دراسة الأديان فى ذلك الوقت.

وكان من ضمن أهدافهم وقتها دراسة أديان أخرى مثل البوذية، ولكن معهد الدومينيكان بالقاهرة ركَّز أكثر على الإسلام لأنه دين الغالبية فى مصر، ولأن المعهد سعى لإقامة علاقات صداقة وود وحوار مع الإسلام، فبدأت المكتبة تكبر مع مرور الوقت، وفى عام ٢٠٠٢ جددنا المكتبة وأضفنا إلى مساحتها، وهى تضم ١١٠ عناوين فى ١٦٠ ألف مجلد.

وتعمل المكتبة بقدر الإمكان على توفير مصادر التراث الإسلامى والعربى، وأود أن أشير إلى وجود فرق بين التراث العربى والإسلامى لأنه ليس شرطًا أن يقتصر التراث العربى على كل ما هو إسلامى بل يشمل المسيحى واليهودى والفلسفة والهندسة.

وغالبية الطلبة لدينا من المسلمين من طلاب جامعة الأزهر ودار العلوم والسلفيين والمنتقبات ومن جنسيات ودول أخرى ومن الباحثين وطلاب الدراسات العليا.

وتفتح مكتبة الدومينيكان أبوابها لاستقبال الطلاب ٤ أيام أسبوعيًا باشتراك رمزى وتعمل على توفير الجو الهادئ للباحثين وتوفير المادة العلمية، خصوصًا عن الألف الأولى من الهجرة.

 

■ ما مفهوم التراث العربى المسيحى من وجهة نظرك؟

- هو كل ما جرت كتابته باللغة العربية سواء كان تأليفًا أو ترجمةً، لأن كل ما تمت ترجمته من اليونانية إلى العربية هو مساهمة فى التراث أضافت إليه وحفظته.

المسيحيون العرب الأوائل، خاصة السريان، هم الذين أسهموا فى حركة الترجمة بشكل كبير جدًا، حيث ترجموا الفلسفة والرياضيات وعلم الكلام، ونقلوا التراث اليونانى إلى العربية.

ولدينا فى مصر ترجمات من العربية إلى اليونانية للقديس واللاهوتى الشهير يوحنا ذهبى الفم، كما أسهم المسيحيون العرب فى إثراء اللغة العربية بفضل ترجمات الفلسفة.

 

■ هل ترجمتم التعاون بينكم وبين المسلمين فى شكل أبحاث مشتركة مع مؤسسة الأزهر مثلًا؟

- يوجد فى بعض الأحيان تعاون بين الدومينيكان والأزهر، فعدد أعضاء مجلس إدارة المعهد ٢٠ عضوًا بينهم رهبان وأكاديميون مسلمون من كليات دار العلوم مهمتهم تدريس الشريعة وعلم الكلام، ولدينا مجلة متخصصة تنشر الأبحاث والمقالات الأكاديمية فى هذا الشأن. 

 

■ ما رأيك فى وثيقة الأخوة الإنسانية التى وقع عليها بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر فى الإمارات؟

- بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية فالمبادئ التى تضمنتها الوثيقة ليست جديدة، ولكن الجديد والجميل هو توقيع شيخ الأزهر والبابا فرنسيس عليها كنوع من التعاون المشترك بين الكنيسة الكاثوليكية والأزهر.

من الجميل أن نتفق على المبادئ الإنسانية، وأنا أتمنى ألا يتوقف الأمر عند توقيع الوثيقة فقط وأن نرى ترجمة حقيقية لها على الأرض، وأتمنى أن تحذو الهيئات والوزارات حذو الأزهر والفاتيكان بتفعيل مبادئ التسامح والمساواة والحرية.

 

■ كيف يمكن تطبيق وثيقة «الأخوة الإنسانية» على أرض الواقع؟

- بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية فهى بدأت هذا الأمر منذ وقت بعيد لأنها على سبيل المثال تستقبل فى مدارسها الطلاب المسيحيين والمسلمين، وتحرص على سيادة وتعليم مبادئ الاحترام والمساواة والأخوة، وكذلك الأمر بالنسبة للخدمات التى تقدمها مستشفياتها، هناك احترام ومساواة بين الجميع.

 

■ ما تعليقك على وجود بعض الأصوات المتعصبة داخل الكنائس؟ 

- أنا أؤمن بأن التعصب نابع من الجهل. هناك مؤسسات يفترض بها تدريس علوم اللاهوت لكنها للأسف غير معتمدة من أى جامعة عالمية بسبب أنها تعتمد على مناهج قديمة جدًا.

تراثنا المسيحى تأثر بالمد الوهابى فى السبعينيات، وأرى أن تمسكنا بالتراث يعنى أن نسعى لرسم واقع ومستقبل مختلف، نحن للأسف ندّعى فقط تمسكنا بالتراث والمحافظة عليه. 

 

مكتبة إسلامية داخل دير مسيحى.. ألا يتسبب ذلك فى إرباك البعض؟

- بالطبع، عندما يسمع أحد عن وجود مكتبة إسلامية داخل دير مسيحى فإنه سيصاب بالارتباك والقلق، لكن المكتبة توجد منذ ٦٥ عامًا، وهناك دائرة واسعة تضم الطلاب والباحثين تعرف أهمية الدور الذى يلعبه دير الرهبان الدومينيكان فى حفظ التراث وإدارة الحوار مع الآخر.

ولدينا صداقة وثقة متبادلة مع مشيخة الأزهر وفضيلة الشيخ أحمد الطيب، ونرى أنها مؤسسة كبيرة وعريقة.

 

■ هل تقصد أن كثيرًا من رجال الدين أو الأساقفة ينقصهم العلم والمعرفة؟

- بالطبع كثير من رجال الدين ينقصهم العلم والبحث والمعرفة، وهذا ليس تقليلًا منهم أو من مكانتهم. مشكلتنا كشعوب عربية أننا نبالغ فى تمجيد الماضى ونهرب من الحاضر والمستقبل، والكنيسة متأثرة بالمجتمع الذى توجد فيه لأنها جزء منه، وللأسف على مستوى الأبحاث اللاهوتية والكتاب المقدس فنحن خارج الخريطة العالمية ونكتفى فقط بالفخر بالتراث القديم. 

 

■ كيف ترى علاقة الفرد بالدين فى المجتمعات العربية؟

- فى رأيى أن الدين فى المجتمعات العربية له بُعد اجتماعى، حيث يحرص الأفراد على ادّعاء التدين أو الالتزام بالمظاهر والطقوس أكثر من السعى وراء فهم الجوهر، وهو أمر يحدث أيضًا فى بعض الدول الأوروبية.

أنا أرى أن ذلك يخلق أزمة كبيرة فى المجتمعات العربية لأننا نأخذ بالظاهر وليس الجوهر. أحيانًا توجد أخلاق دون دين ولكن من المستحيل أن نرى متدينًا حقيقيًا دون أخلاق.