رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 27 يناير 2021 الموافق 14 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
ماجد حبته
ماجد حبته

لا شىء خلف الغبار

الثلاثاء 01/ديسمبر/2020 - 07:26 م
طباعة
الشائعات والأكاذيب، التى تداولتها وسائل إعلام عربية وأجنبية، بشأن مقتل طالب جامعة كامبريدج، الإيطالى جوليو ريجينى، صنعت طبقة سميكة من الغبار، ستكتشف، لو أزحتها، أن لغز مقتله لا يزال مستعصيًا على الحل، وأن السلطات الإيطالية فشلت فى كشف غموضه.
فى بيان مشترك مع «نيابة الجمهورية بروما»، أعلنت النيابة العامة المصرية، أمس الأول الإثنين، عن إغلاق التحقيقات، مؤقتًا، مع تكليف جهات البحث والتحرى باتخاذ كل الإجراءات اللازمة للوصول إلى مرتكب الجريمة، الذى لا يزال مجهولًا. بينما أعربت النيابة الإيطالية، فى البيان ذاته، عن نيتها إنهاء التحقيقات فى الواقعة بالاشتباه فى ٥ أفراد منتمين لأجهزة أمنية، بتصرفات فردية منهم، دون صلة بأى جهات أو مؤسسات حكومية مصرية، مع عرض هذا الاشتباه على قاضى التحقيقات الأولية فى روما، لتقييمه واتخاذ الإجراءات القضائية بشأنه، وهو ما تحفظت عليه النيابة المصرية وأكدت أن هذا الاشتباه غير مبنى على أدلة.
قد يدهشك اهتمام إيطاليا بذلك الحادث، مقابل صمتها على حوادث كثيرة شبيهة، كقضية ذبح الشاب الإيطالى ماريونيلى مورينو، سنة ٢٠٠٦، فى السعودية، وقد يرى آخرون، ونحن منهم، أن هذا الاهتمام هو الواجب، أو الأصل، بينما الصمت هو التقصير أو الاستثناء، لكن ما يستوجب الدهشة فعلًا هو أن الخارجية البريطانية طالبت السلطات المصرية فى ١٣ أبريل ٢٠١٦، بإجراء «تحقيق شامل وشفاف» فى حادث مقتل ريجينى، بينما قوبلت كل مطالبات المحققين الإيطاليين بالرفض من «جامعة كامبريدج»، ومن السلطات البريطانية!
فى تقرير عنوانه «أكاذيب كامبريدج»، ذكرت جريدة «لا ريبابليكا» الإيطالية، فى ٢ نوفمبر ٢٠١٧، أن الجامعة رفضت تقديم أى معلومات أو الرد على رسائل المدّعى العام فى روما، حول العديد من جوانب القضية، وفى ٢ يناير ٢٠١٨، ذكرت جريدة «الجارديان» البريطانية أن مها محفوظ عبدالرحمن، التى كانت مشرفة على بحث «ريجينى»، كانت هدفًا لتقارير وسائل إعلام إيطالية اتهمتها بأنها تمتنع عن الإجابة عن أى أسئلة، مع أن التقرير نفسه أقر بأن المذكورة رفضت عدة مرات إجراء مقابلات أو الرد على الأسئلة التى أرسلتها لها عبر البريد الإلكترونى. كما أقرت الجريدة أيضًا بأنها طلبت من الجامعة التعليق على القضية، وقوبل طلبها بالرفض!
تفسير رفض الجامعة، قد تجده فى كتاب «مدارس التجسس: كيف تمكنت الـCIA، الـFBI والمخابرات الأجنبية من استغلال الجامعات الأمريكية سرًا»، للصحفى الأمريكى، الحاصل على جائزة بوليتزر، دانيال جولدن، الذى سبق أن تناولناه، فى مقال سابق، وقلنا إن المجال مفتوح لكل المقاربات والقياسات والاستنتاجات التى قد تخطر على بالك، أو على بال أىّ واحد صاحبك!
المهم، هو أن البيان المشترك، الصادر أمس الأول، جاء فى إطار التعاون المتبادل والمستمر بين النيابة العامة المصرية ونظيرتها الإيطالية، على مدار السنوات الماضية، وبعد اجتماعات عديدة عقدها الطرفان، اللذان أبديا التزامهما باستمرار التعاون وتقديم كل ما يتم التوصل إليه من معلومات للكشف عن الحقيقة. والملفت، هو أن الجزء الخاص بالجانب الإيطالى فى البيان تم تسريبه إلى جريدة «التايمز» البريطانية، ونشرته الإثنين قبل الماضى.
فى ذلك التقرير، زعمت «التايمز»، على عكس ما جاء فى البيان المشترك، بأن مصر لم تقدم سوى القليل من التعاون مع جهات التحقيق الإيطالية، وأشارت إلى أن المشتبه بهم قد يحاكمون غيابيًا، لعدم وجود اتفاقية لتسليم المطلوبين بين البلدين، ولأسباب وأهداف معروفة أشارت الجريدة البريطانية، فى التقرير، إلى ما وصفته بـ«الأدلة المروعة»، التى ستظهر فى تلك المحاكمة، التى ستثير، بحسب زعمها، انتقادات دولية للسجون المصرية! القانون الإيطالى، كقانون غالبية دول العالم، يُلزم جهات التحقيق بعدم إحالة المشتبه بهم إلى المحاكمة، ما لم يكن هذا الاشتباه مبنيًا على أدلة، وعليه، لا نعرف كيف توقعت تلك الجريدة محاكمة المتهمين، غيابيًا، فى غياب تلك الأدلة، التى كانت ستصل إليها، وإلى غيرها من الصحف، حال وجودها، ولاحظ أننا نتحدث عن أدلة حقيقية، تقتنع بها المحكمة، لا عن أكاذيب أو شائعات تخاصم العقل، كتلك التى ينسبها بعض الصحف إلى محققين إيطاليين، وتجعلنا نعتقد أن قائدهم، أو كبيرهم، نسخة طبق الأصل من مستر جان «عادل أدهم» مندوب الإنتربول، فى فيلم فؤاد المهندس «أخطر رجل فى العالم».
.. وأخيرًا، تكفى الإشارة، مثلًا، إلى أن جريدة «التايمز» نقلت، فى ١٩ ديسمبر الماضى، عن أحد هؤلاء المحققين، أن نورا وهبى، زميلة ريجينى فى جامعة كامبريدج، كانت تتجسس عليه لحساب السلطات المصرية، لمجرد أنها كانت على اتصال بـ«مجند سابق» اسمه رامى، مع أن كل المصريين الذكور، باستثناءات قليلة، أدوا الخدمة العسكرية، ما يعنى أنهم جميعًا مجندون سابقون، مثل رامى، وما يجعل اتصالك بأىٍ منهم دليلًا على تجسسك لحساب السلطات!