رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأحد 31 مايو 2020 الموافق 08 شوال 1441

وليد علاء الدين: هذه واحدة من اللحظات التى تبدو فيها الحصانة محض وهم

السبت 04/أبريل/2020 - 05:43 م
جريدة الدستور
نضال ممدوح
طباعة
من المؤكد أن العالم ما بعد وباء كورونا لن يعود كما كان قبله، وربما سيأتي اليوم الذي يؤرخ فيه بكورونا، وربما قيل الوقائع الفلانية حدثت قبل أو بعد كورونا.

وبعيدا عن روايات أو عالم الـ"ديستوبيا" استطلعت "الدستور" آراء العديد من الكتاب والمثقفين حول هذا الفيروس القاتل، وكيف يتخيل الكتاب شكل العالم ما بعد كورونا؟ وما التأثير الذي سيتركه على الأدب، عليهم شخصيا، وهل سيفرض هذا الوباء نفسه على الكتابة فيما بعد، أو حتى تداعياته والتأثير الذي تركه على العالم كما نعرفه؟ كل هذه الأسئلة وغيرها.. في محاولة لاستشراف عالم الغد.

وعن هذا الأمر يقول الكاتب "وليد علاء الدين": حينما يكون الزمان مليئًا بالاضطرابات تدركين مع الأسف أن التاريخ حقيقي، وأنك جزء منه. من عادة المرء أن يعتبر نفسه محصنًا من كل شيء. هذه واحدة من اللحظات التي تبدو فيها تلك الحصانة محض وهم. أود أن أعود إلى الأوهام.. استوقفتني طويلًا هذه العبارة من رواية "مون تايجر" للكاتبة الإنجليزية بنيلوبي لايفلي، بترجمة ساحرة للدكتورة إيناس التركي. الرواية منشورة سنة 1987، وهي تعبر بدقة عن فترة الحرب العالمية الثانية التي عايشتها الروائية -المولودة بالقاهرة - أثناء عملها مراسلة حربية من مصر.

فكرة العبارة، ككل فكرة صيغت بعناية بعد تأمل ومحاولة فهم، تمتد لتصبح مبدأ عموميًا، يصلح لوصف كل زمن يموج بالاضطرابات. بناء العبارة دقيق ومتدرج بشكل بدت معه الجملة الأخيرة كأنها تميمة تقي من الشرير "أود أن أعود إلى الأوهام".

تابع مؤلف روايتي "كيميا" و"ابن القبطية": بطبيعتي أنفر من روايات الديستوبيا، ومن أفلام الرعب، وأخشى اللقطات المفعمة بالعواطف في الأفلام. ضبطت نفسي متلبسًا مرات كثيرة بالتشاغل بهاتفي أو بفنجان القهوة أو بالذهاب إلى المطبخ تفاديًا للقطةٍ بعينها مشحونة بعواطف لا أستطيع تحملها في فيلم أحبه وأعرفه.

نحن جيل مدلل، سمعنا عن الحروب والمجاعات عبر العالم ولم تمسسنا آثارها، أقرب الحروب إلينا، تلك التي تركت شهداء في محيطنا العائلي أو الجغرافي القريب أو البعيد كان في عام ميلادنا أو قبله بقليل أو بعده بقليل، عن حرب أكتوبر أتحدث، وقبلها بقليل كانت هزيمتنا في 1967، والتي دللها ساستنا ومنظرونا ومنحوها لقب "النكسة" وكأننا كنا قبلها في عز وجاه وسلطة ثم انتكسنا. أما ما بعد ذلك من حروب وصراعات في العالم الكبير أو ما سمي بالوطن العربي قبل استبداله بمصطلح الشرق الأوسط، فلم يكن بالنسبة لنا سوى مشاهد منزوعة الدسم، وأخبار مفلترة نتابعها ونحن نتسلى بقراطيس اللب والترمس أمام شاشات التليفزيون، ثم شاشات الكمبيوتر، ثم شاشات الهواتف المتحركة، تصغر مساحة الشاشة ويزداد حجم التدفق المذهل من الصور والتحليلات بشكل يجعلنا لا نتأثر بانفجار قنبلة في شارع مكتظ بالبشر إلا كما نتأثر بانفجار مصنوع للتسلية في أحد أفلام هوليوود.

لقد أصابنا تدفق الميديا بخلل فادح في التلقي، ثمة ثقب مروع في إنسانيتنا لم تعد معه إنسانيتنا، يشبه ثقب الأوزون الذي لم يعد المناخ بعده كما كان قبله. لم تعد تقلقنا مشاهد الدم والرعب، بات أولادنا يلعبون بأسلحة نارية حديثة، ويتفننون في قتل بعضهم البعض، والسطو المسلح على البنوك، وتحطيم الأشجار لجمع عملات أكثر، صاروا يتسلون بدهس المارة بسياراتهم التي يحصلون عليها كلما سطو على بنك أو قتلوا تاجرا أو حطموا الطرقات والشوارع والمحلات.. يقتلون السيدة ويفزعون الأطفال على الأرصفة ليس لجمع عملات أكثر، إنما لرفع معدلات الضحك وتبادل الشتائم، سعيدين بأن أصابعهم الضئيلة قادرة على إحداث كل هذا الدمار بمجرد الضغط على أزرار ذراع البلاي ستيشن.

لقد تغيرت طبيعة علاقاتنا بالحقائق، تقريبا لم تعد هناك حقائق، لم نعد نخشى إلا ما يصل إلى عنقنا ويضيق الخناق عليه فنشعر بالاختناق، شاهدنا الحروب في العراق وفي إيران وفي الكويت كما نشاهد أفلامًا وثائقية، تابعنا أخبار مجازر العالم كما نتابع أفلام الموتى الأحياء "الزومبي" وهم يتساقطون تحت ضربات المعاول والسواطير. سمعنا عن مجزرة سياسية وأخرى على خلفيات طائفية، وثالثة جراء خلافات إثنية، وتعجبنا من أشكال الشر التي يمكن للإنسان اختراعها.

ثم عدنا لهواتفنا المضيئة، تابعنا سقوط ضحايا الثورات وصدقنا مبررات وكذبنا أخرى، ثم عدنا لانشغالنا بحيواتنا، لقد جعلنا تطور الميديا ويا للسخرية كائنات تاريخية، كائنات تعيش في القرن الحادي والعشرين وتطبق منطق جحا التاريخي، الذي أطلق مقولته الخالدة أنه في أمان طالما لم تصل النار إلى مؤخرته؛ قال القوم يا جحا النارُ مشتعلة في المدينة، قال طالما ليست في شارعنا، فنحن في أمان، يا جحا إن النار مشتعلة في شارعكم، قال طالما لم تصل بيتي فأنا في أمان، يا جحا النار في بيتك، فقال طالما لم تطل غرفتي فأنا في أمان.. مضيقًا في كل مرة مساحة أمانه إلى أن صارت حدود ثيابه. هل هذا ما نعيشه الآن؟ هل هذا ما نختبره بالفعل؟ وإلا ما الذي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تسطو على شاحنة كمامات متجهة إلى فرنسا أو إسبانيا، إن لم يكن جحا هو السبب.

"أود أن أعود إلى الأوهام" يا سيدة بنيلوبي. ليست "مون تايجر" رواية ديستوبيا، لا أقرأ روايات الديستوبيا وأظنها تافهة. إنها رواية تاريخ، تاريخ بالمعنى المنضبط للكلمة، استخدام مذهل لتاريخ حقيقي عاشته السيدة خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه يا للعجب أشد قسوة من الديستوبيات التافهة التي يجتهد فيها مدعو الأدب في خلخلة قواعد الحياة وتدمير منطقها لإبهارنا. الحياة لا تحتاج لتدخلكم يا سادة، الحياة كلها والتاريخ كله مجرد سلسلة متصلة من الحروب والمجازر والأوبئة والصراعات، سلسلة متصلة من أقوياء يستخدمون قوتهم لاستغلال ضعفاء، وضعفاء ينتقمون حين يستردون قوتهم ممن تبقى من أقوياء، وباستغلال ضعفاء آخرين. "وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا" (الجن 10) وباء يتفشى... ربما صنعه البشر، حرب بيولوجية، كتف غير قانونية لعرقلة اقتصاد طغى، ربما هو من صنع الطبيعة، ربما هو انتقام أو اختبار إلهي! ربما، وربما، وربما... لكن هذا هو التاريخ: سلسلة من الاضطرابات تسحق الملايين، أو الهدوء تجهيزًا لاضطرابات تسحق الملايين. وحينما يكون الزمان مليئًا بالاضطرابات ندرك مع الأسف أن التاريخ حقيقي، وأننا جزء منه. لأن من عادة المرء أن يعتبر نفسه محصنًا من كل شيء. وهذه واحدة من اللحظات التي تبدو فيها تلك الحصانة محض وهم. أود أن أعود إلى الأوهام.