الأحد 18 أغسطس 2019 الموافق 17 ذو الحجة 1440
ads
سيد عبدالقادر
سيد عبدالقادر

وليمة على جثة الوطن

الأحد 21/يوليه/2019 - 07:43 م
طباعة

دفعتنى مناقشة مع محام فى منتصف العمر إلى أن أتابع بشغف مناقشات قانون الجمعيات الأهلية، الذى أقره مجلس النواب خلال الأسبوع الماضى، فقد فهمت منه أنه وكثيرين من زملائه «النشطاء» ينتظرون هذه التعديلات، حتى يتمكنوا من العودة لجنى مزيد من الأرباح التى جعلت كثيرًا من هؤلاء النشطاء يخطون خطوات كبيرة نحو عالم الثراء، والفضل طبعًا للتمويل الخارجى الذى تجنيه بعض جمعيات المجتمع المدنى.

كنت قد سمعت من هذا المحامى عن زميله المعدم الذى تحول بقدرة قادر أو بقدرة «جهة تمويل أجنبية» إلى مليونير، يمتلك مكتبًا فخمًا، واستبدل شقته البسيطة المستأجرة فى حى شعبى، إلى شقة تمليك فخمة فى منطقة التجمع، وكيف أصبح يمتلك سيارة فارهة ورصيدًا كبيرًا فى أحد البنوك.

وذكّرتنى هذه الحكاية بمحامٍ آخر شهير، تم التحفظ على حساب به مئات الآلاف من الجنيهات، باسم ابنته الصغيرة، فأخذ يولول على السوشيال ميديا ويشكو من أن الدولة تستولى على «حصالة توفير لطفلة»، دون أن يفصح عن كيفية تكوين هذه الطفلة العبقرية هذه الثروة قبل أن تبلغ من العمر ثمانى سنوات؟

لقد بذل النواب جهودهم لوضع هذه الجمعيات تحت رقابة الحكومة وأجهزتها المختلفة، وكانوا يعلمون مدى الضغوط الخارجية التى مُورست على الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، بسبب هذه الجمعيات التى أطلق عليها الغرب اسم «منظمات المجتمع المدنى»، والتى جعلها شوكة فى ظهر دول كثيرة يحاولون السيطرة عليها ومن بينها مصر، وكان من أبرز هذه الضغوط تجميد ملايين الدولارات من المساعدات العسكرية الأمريكية لمدة عام، وإصدار عشرات من البيانات المشبوهة، والتى تتهم الدولة المصرية بالتضييق على الحقوقيين ومنظمات العمل المدنى. وبعيدًا عن الكلمات الرنانة والشعارات، فقد أصبح يقينًا أن الدول الكبرى تمارس ضغوطها على كثير من دول العالم الثالث، من خلال منظمات حقوق الإنسان المشبوهة، ومنظمات المجتمع المدنى المشبوهة أيضًا، وأود أن ألفت النظر إلى أننى لا أعمم، وأصف كل منظمات العمل المدنى بالمشبوهة، صحيح أن الشبهات تحيط بأغلبها إلا من رحم ربى لكن المؤكد أن هناك منظمات محترمة ووطنية.

والمنظمات المشبوهة لديها عشرات المليونيرات الذين يطلق عليهم الآن «أمراء البيزنس الحقوقى»، وهم أمراء لا يفخر بهم أى وطن، لأنهم يضعون هذا الوطن أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما تركهم بلا حساب.. أو تجويع المواطنين بقطع المعونات المقدمة إليهم من «الممولين» الذين يسارعون بلقائهم ولا يشعرون بأى خجل وهم يشكون حكومة بلادهم إلى رؤساء دول أجنبية، كما فعل الوفد الحقوقى الذى التقى الرئيس الفرنسى فى آخر زيارة له إلى مصر.

وإذا كان أحد تعريفات المجتمع المدنى بأنه المشكل للمؤسسات والجمعيات ذات الطابع الأهلى، والتى تنفذ الأعمال الخيرية داخل المجتمع، وهى من المؤسسات غير الحكومية.. فإن هذا التعريف يطرح أمامى عدة تساؤلات، قد تشغل بال المواطن البسيط، أهمها:

* هل اختلفت مفاهيم وسبل الأعمال الخيرية والتطوعية بشكل درامى مفاجئ، فبعد أن كانت هذه الأعمال- لسنوات طويلة مضت- من مهام المقتدرين والأغنياء ورجال الأعمال، أصبحت من المهام التى يسعى إليها بعض النشطاء الفقراء الحالمين بالثراء؟!، وهناك عشرات الحكايات التى تؤكد ذلك.

* هل تحول العمل الخيرى التطوعى من بناء المستشفيات التى كانوا يطلقون عليها «المبرات»، ودور رعاية الأيتام والمدارس، ليصبح منحصرًا بشكل أساسى فى إصدار تقارير مشبوهة، مثل هذه التى تتهم الحكومة بإهمال الفقراء والانحياز لرجال الأعمال، أو جرائم الشرف فى العشوائيات، أو التمييز ضد المرأة، أو حقوق الأقليات الدينية والعرقية، وتنمية النزعات الانفصالية لديها؟

* كيف يمكن تنمية المجتمع والقيام بأعمال خيرية مزعومة بأموال مقدمة لهذه الجمعيات من أجهزة مخابرات غربية ووزارات خارجية دول كبرى، هل أصبحت الأعمال الخيرية والتنموية من الضرورات المخابراتية، أو أدوات الدبلوماسية؟، إذا كانت الإجابة بـ«نعم» فتلك كارثة، وإذا كانت بـ«لا» فماذا يعنى تقديم وزارة الخارجية الأمريكية ٥٣٠ مليون دولار لمنظمات حقوقية فى ١٧ دولة منذ عام ٢٠٠٢؟

تمويل منظمات المجتمع المدنى «المشبوهة»- وأكرر أننى لا أعمم الاتهام- يتم لتحقيق أهداف أو أجندات سياسية لصالح الدول الممولة، وليس من بين هذه الأهداف تنمية المجتمعات التى تنتمى إليها هذه الجمعيات، فالنسور الجارحة تنقض على الفرائس ولا تلقى بالطعام فوق رءوس الجوعى، أو كما يقول مثلنا الشعبى «الحداية ما ترميش كتاكيت» فالحدأة أو «الحداية» تعيش على اختطاف والتهام الكتاكيت والأفرخ الصغيرة، وهى تتلذذ بقنصها وافتراسها، دون أن تأبه لصراخ هذه الأفرخ ولا لحسرة أمهاتها.. تمامًا كما تقيم بعض المنظمات الحقوقية المشبوهة- دون تعميم- ولائم على جثة الوطن، من أجل أن يضخ الممولون مزيدًا من الدولارات، التى تضخ فى النهاية فى حسابات أمراء البيزنس الحقوقى.
ads

ads