رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

ملاعيب شيحة.. ميناء بايدن العائم ومخطط إخضاع غزة

بايدن
بايدن

ميناء عائم على سواحل غزة لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر هو ما جادت به قريحة الأمريكان كحل أخير للتحايل على عرقلة إسرائيل لكافة جهود الإغاثة الدولية، ويكأن دولة الاحتلال تفرض إرادتها على العالم أجمع وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية!

الرئيس الأمريكي جو بايدن قال إن جيش بلاده سيبني ميناء مؤقتا على ساحل قطاع غزة لإيصال المساعدات الإنسانية عن طريق البحر، ويفترض أن يتم ذلك انطلاقا من جزيرة قبرص بعد أن تخضع المساعدات لتفتيش دقيق من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ثم تسلك بعدها السفن طريقا إلى الميناء العائم، بحماية إسرائيلية. 

الميناء الذي سيتولى قرابة ألف جندي أمريكي العمل على بنائه، ويستغرق نحو 60 يوما، يؤكد أولا أن العدوان الإسرائيلي على غزة ربما يستمر لعدة شهور، فمن غير المعقول بناء ميناء غير دائم بهذه التكلفة الضخمة إن كانت تلوح في الأفق نهاية قريبة للحرب.

التفكير الأمريكي البديل في إنشاء ميناء مؤقت على سواحل غزة يشير إلى عدة أهداف خفية، خصوصا وإن كانت واشنطن تملك من أدوات الضغط ما يكفي لأن تجعل إسرائيل تمتثل فورا لنداءات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة بضرورة السماح لدخول المساعدات بريا على وجه السرعة نظرا لتدهور الوضع الإنساني بشكل غير مسبوق.

كل الإشارات تؤكد أن كل التجاوزات والغطرسة الإسرائيلية لم تكن لتحدث من البداية دون مباركة أمريكية، في الوقت الذي تحاول واشنطن إيهام الجميع بأنها تلعب دور الوساطة وتريد التهدئة.

أول أهداف واشنطن الظاهرية من بناء ميناء على سواحل غزة تحت ادعاء إيصال المساعدات وإجلاء الجرحى والعالقين، هي امتصاص غضب الرأي العام العالمي تجاه سياساتها المنحازة إلى دولة الاحتلال، وتورطها بشكل مباشر مع إسرائيل في العدوان على المدنيين الفلسطينيين في ظل سقوط هذا العدد المرعب من الضحايا أغلبهم من النساء والأطفال.

المراقبون فسروا الخطوة الأمريكية على أنها خطة استراتيجية طويلة الأمد لن تعود بعدها المنطقة لما كانت عليه قبلها، فواشنطن تستهدف من وراء ميناء غزة العائم ما يلي:

  • السماح لإسرائيل بإطالة حربها وربما استدامتها لإحكام السيطرة على المنفذ الشرقي للبحر المتوسط الغني بموارد الطاقة والمهم في الوقت ذاته لخطوط الربط الملاحي بين شرق العالم وغربه.
  • قد يكون الميناء منفذا محتملا لتهجير الفلسطينيين طوعا أو قسرا حال الشروع في تطبيق الخطة الصهيونية بتفريغ قطاع غزة من سكانه.
  • تأمين سيطرة إسرائيل على حقل "كاريش" اللبناني والربط بين إسرائيل وقبرص واليونان لمواجهة التقارب المصري التركي الذي أزعج الغرب كثيرا.
  • إدراك واشنطن خطأ قرارها بالخروج من الشرق الأوسط وإهمال قضية فلسطين لما لها من تأثير بالغ على مجريات الأحداث في المنطقة والعالم. بحسب معطيات الجغرافيا الثابتة، لا يمكن لأي قوة كبيرة تستهدف زعامة العالم أن تهمل البحرين المتوسط والأحمر، أو أن تترك لمنافسيها التقليديين الساحة فارغة في تلك البؤر الاستراتيجية. من هذه الزاوية فالروس - الغريم التقليدي للأمريكان - يتواجدون على الساحل السوري، وإيران وأذرعها تتواجد بقوة على مداخل البحر الأحمر، والصين من خلف الاثنين.
  • إنشاء ميناء بحري عائم قُبالة قطاع غزة يجسد رؤية توافقية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فلكل طرف أهدافه الخاصة حول هذا المشروع، إلى جانب الأهداف العامة التي تخدم هذا المحور.

الميناء العائم يمنح إسرائيل القدرة على مواصلة الحرب على غزة، بمستويات متعددة، وبلا سقوف زمنية، وتحقيق الهدف الثاني للحرب بعد إنهاء حُكم حماس، وهو تفكيك قوى المقاومة، أو إضعافها إلى الحد الذي تصبح فيه غير قادرة على أي تأثير ميداني.

كما أن الميناء قد يكون بديلا مناسبا لمعبر رفح مع مصر حال إغلاقه إذا اجتاحت إسرائيل مدينة رفح الفلسطينية بريا، وهو ما يشير إلى أن الاجتياح الإسرائيلي البري لا يزال احتمالا واردا في الخطط العسكرية الإسرائيلية الأمريكية، الأمر الذي حذرت من خطورته مصر مرارا وتكرارا لما له من انعكاسات كبرى على أمن واستقرار الإقليم. 

واشنطن تريد طرد إيران من منافذ الملاحة البحرية الاستراتيجية بإغلاق شاطئ غزة بعدما طردتها روسيا من الشاطئ السوري، فلم يعد لطهران على البحر المتوسط إلا شاطئ لبنان، كما أنها تريد مواجهة مرفأ بوتين على الساحل السوري، وقطع الطريق أمام الصين وإجهاض مبادرة الحزام والطريق، وإسرائيل ترغب في السيطرة على غاز غزة وتوصيله إلى أوروبا بديلا عن الغاز الروسي، ضمن خطتها للهيمنة على مصادر الطاقة شرق المتوسط وإضافة ما يصل إليها من دول الخليج لتوصيله إلى أوروبا، وقطع الطريق أمام مصر للعب هذا الدور.